تريليونات السراب

08 أبريل 2026
wlywlywny@gmail.com
وليو الحاج
تابع الكاتب عبر :

في عالم يغرق في الأزمات الاقتصادية، وتنهش الأوبئة والفقر في أجساد المجتمعات، تبرز مفارقة وجودية تقف كحائط سد أمام أي تقدم إنساني حقيقي: "صناعة الموت" مقابل "صناعة الحياة". نحن نعيش في زمن تخصص فيه الدول تريليونات الدولارات لتمويل آلات الحرب، بينما يفتقر الملايين لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية. هذا المقال ليس مجرد نقد للميزانيات، بل هو محاكمة فكرية لـ "وهم الحماية" الذي تبيعه المؤسسات العسكرية للعالم.

تُبنى العقيدة العسكرية تاريخياً على أن السلاح هو وسيلة الردع والحماية، لكن الواقع المعاصر يثبت العكس تماماً. السلاح اليوم لم يعد درعاً، بل أصبح "مغناطيساً" يجلب الدمار لصاحبه. ففي أي صراع حديث، تصبح الصفة العسكرية أو ارتداء الزي "الميري" بمثابة "تصريح بالقتل"؛ فالعسكري هو الهدف الأول والمشروع للصواريخ والمسيرات، بينما يظل المدني (نظرياً) محمياً بمواثيق دولية.

المفارقة العبثية تظهر بوضوح عند المحك الحقيقي؛ فبدلاً من أن نرى هذه الأسلحة "المليارية" توفر مظلة حماية، نجد أن الجيوش غالباً ما تلجأ للاحتماء وسط المدنيين أو الاختباء في خنادق تحت الأرض، بل وقد يصل الأمر إلى الهروب وترك البلاد في الأزمات الكبرى. هنا يسقط القناع: ما فائدة السلاح إذا كان صاحبه سيحتمي بمن يُفترض أنه يحميهم؟

نحن نعيش عصر التكنولوجيا الفائقة، حيث تحولت الحروب إلى "حرب أزرار" تُدار من وراء الشاشات في قارات أخرى. إنفاق مئات المليارات على جيوش بشرية ضخمة وأسلحة تقليدية ثقيلة أصبح عملا عبثيا بامتياز؛ فصاروخ واحد موجه أو طائرة "درون" زهيدة الثمن يمكنها تحييد ترسانة كاملة في لحظات. إن الإصرار على ضخ الأموال في معدات أثبتت التجارب فشلها أمام التطور التقني، هو ليس إلا "فنكوش" سياسي واقتصادي يستنزف ثروات الشعوب بلا طائل.

يكمن الظلم الأكبر في المقارنة بين "المنتج الحقيقي" وبين "البرستيج الزائف". المجتمع الذي يكافئ من يرتدي البذلة العسكرية برواتب ومعاشات وامتيازات تصل لثلاثة أضعاف المواطن العادي هو مجتمع يحارب الإنتاج.

العامل الذي يكدح في المصنع، والفلاح الذي يزرع الأرض ليوفر الغذاء، والبناء الذي يشيد المدن؛ هؤلاء هم "صناع الحياة" الحقيقيون، ومع ذلك يتقاضون ملاليم ويعيشون في تهميش. في المقابل، يتقاضى "رجل الأمن" أجراً خيالياً مقابل وظيفة "سكونية" لا تقدم منتجاً أو سلعة حقيقية تزيد من رفاهية البشرية. هذا التمييز يخلق جيشاً من "العاطلين بالمعنى الوظيفي" الذين يستنزفون ميزانيات الدول دون تقديم قيمة مضافة، مما يدفع الشباب للزهد في المهن الحقيقية والبحث عن وجاهة "الميري" الفارغة.

لماذا نمنح رجل الأمن قدسية وثقة مطلقة بينما يُعامل المواطن المنتج كعدو محتمل؟ الانتشار الأمني المكثف في الشوارع لا يمنح الناس إحساساً بالأمان، بل يزرع الخوف والريبة والقلق. لقد تحول مفهوم الأمن من "خدمة للمواطن" إلى "سلطة عليه".

تلك المليارات المهدورة على تأمين الأفراد والمنشآت بجيوش من البشر الذين لا يعملون، لو وُجهت لإصلاح جذور المشاكل الاجتماعية كالجوع والجهل، لخلقنا مجتمعاً آمناً بطبعه وفطرته، مجتمعاً لا يحتاج لكل هذا القمع والرقابة لكي يستقر.

إن استمرار العالم في تقديس المؤسسات العسكرية على حساب المؤسسات الإنتاجية والخدمية هو انتحار جماعي. لا يمكن لأي وطن أن ينهض وهو يبدد مقدراته على "خردة" عسكرية لا تعمل وقت الضيق، بينما يهمل بناء الإنسان الذي هو جوهر أي أمن حقيقي. إن الأمان لا يُشترى بالدبابات، بل يُبنى بالعدل، وبالتقدير الحقيقي لمن يضع لبنة في بناء هذا المجتمع، لا لمن يكتفي بحمل السلاح لترهيبه.