فخ "البرستيج".. هل نسكن بيوتنا أم صورها؟

05 April 2026
h.alghanmi@outlook.com
حاتم الغانمي
تابع الكاتب عبر :

كان البيت في السابق ببساطة مكانا تعود إليه دون أي تكلّف ترمي مفاتيحك وتبدّل ملابسك وتجلس براحتك بدون الحاجة لأن تبدو أفضل على غير طبيعتك، باختصار كان المسكن مساحة تُشبهك، لا تحتاج فيها لتفسير فوضاك الصغيرة أو تبرير تعبك بل يكفي أن تكون موجودا فيه لتشعر أنك في مكانك الصحيح، لكن ما يحدث اليوم ينبئ بأن هذه الفكرة تغيّرت بهدوء دون أن ننتبه، وكأن البيت لم يعد يُشترى ليُعاش فيه بقدر ما يُشترى ليُرى.

لم يعد السؤال الذي يدور في ذهن المشتري، هل هذا المكان مريح؟ بل أصبح بشكل غير مباشر: كيف سيبدو أمام الآخرين؟ كيف ستُرى هذه الصالة؟ هل يعكس المجلس "الصورة" التي أريدها؟ ومن هنا تبدأ الحكاية التي لا تُقال بصوت عالٍ لكنها تتحكم في قرارات ثقيلة تمتد لسنوات.

أصبح المطور العقاري لا يقدّم مساحة فقط، بل يقدّم شعورا جاهزا وتفاصيل مدروسة بعناية مثل (إضاءة ناعمة، خامات لامعة) وكل شيء يوحي لك بأنك اقتربت من صورة معينة كنت تراها في ذهنك أو على شاشة هاتفك.

المشكلة ليست في هذا الجمال بحد ذاته فكلنا نميل لما هو جميل، لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الجمال إلى معيار وحيد تُبنى عليه قرارات مالية كبيرة، وتُبرر به مساحات لا نحتاجها فعلا. 

نشتري مجالس واسعة لا تُفتح إلا مرات قليلة ونضيف أمتارا لا نستخدمها ثم نكتشف أن هذه المساحات التي بدت فكرة جيدة في البداية تحوّلت مع الوقت إلى التزام دائم من صيانة وفواتير وقسط لا يغيب.

في المقابل حياتنا اليومية تدور في مساحة أصغر بكثير نتحرك فيها بشكل طبيعي، بينما يبقى الجزء الأكبر من البيت مجرد صورة محفوظة للحظة استقبال أو مناسبة عابرة.

ثم هناك جانب لا يُذكر كثيرا، لكنه حاضر في التفاصيل القلق، ينمو هاجس القلق من أن يفقد المكان بريقه أو أن يظهر فيه خلل أو أن يتغير مستواه مع الوقت.

فجأة يصبح البيت شيئا يحتاج إلى جهد مستمر للحفاظ عليه، وكأنك لا تعيش فيه بقدر ما تحاول إبقاءه كما كان في يومه الأول، وهنا يحدث التحول الصامت بدلاً من أن يخدمك البيت تبدأ أنت بخدمته.

المشكلة في الحقيقة لا تبدأ من السوق بل منَا نحن، فالسوق يستجيب لما نطلبه وحين يكون تركيزنا على الشكل والانطباع فمن الطبيعي أن يُغرقنا بالمزيد منه، ليست المسألة تقشفا أو رفضا للجمال، بل وعيا بما نحتاجه فعلا وما نضيفه فقط لنبدو بصورة معينة أمام الآخرين.

ولهذا قبل أن يوقّع أي شخص منا على التزام طويل الأمد قد يصل إلى خمس وعشرين سنة على الأقل ربما يجدر به أن يتوقف لحظة ويسأل نفسه بهدوء: هل أبحث عن مكان أعيش فيه وأرتاح أم عن صورة أريد أن أُرى من خلالها؟، الفرق بين هذين السؤالين ليس بسيطا، لأنه في النهاية هو ما يحدد إن كنت ستسكن بيتا، أو تعيش داخل فكرة عنه.

البيوت التي تُبهر كثيرة ويمكن أن تراها في كل مكان، لكن البيوت التي تمنح أصحابها راحة حقيقية أقل بكثير وفي الغالب لا تُلاحظ بسهولة، وبين هذا وذاك القرار لا يبدو فرقا كبيرا في لحظته، لكنه يمتد معك سنوات طويلة وربما لهذا السبب، يستحق أن يُفكّر فيه بهدوء أكبر.