الموسيقى.. حين تنتصر الحياة على الضجيج

11 April 2026
joseph27mrad@gmail.com
جوزيف مراد
تابع الكاتب عبر :

في عالم يضجّ بالصراعات المتجددة من حروب تقليدية تشتعل على الأرض إلى نزاعات رقمية وإعلامية تعبر الشاشات والحدود، يبدو الإنسان وكأنه يبحث بلا كلل عن لغة خفية تجمعه بغيره؛ لغة تتجاوز الخرائط السياسية، وتذيب الفوارق بين الهويات، وتعلو فوق ضجيج الشعارات والانقسامات. 

في زمنٍ تتكاثر فيه أسباب الفرقة، وتتعاظم فيه روايات الخوف والعداء، يزداد توق البشر إلى معنى مشترك يعيد إليهم إحساسهم بالانتماء الإنساني الأوسع. وبعد تأملٍ طويل في تاريخ الشعوب وسلوكها، وفي الدورات المتكررة للعنف والمصالحة، يتضح أن ما يوحّد البشر حقًا ليس السلاح مهما بلغ من قوة، ولا الأيديولوجيات الصارمة مهما ادّعت امتلاك الحقيقة، بل شيء أكثر رهافة وصدقا هو الموسيقى.

الموسيقى بشتى أنواعها ليست ترفا جماليا عابرا، بل ظاهرة إنسانية عميقة وتاريخية ذات أثر عميق في النفس البشرية إذ تنشّط في الدماغ مناطق مرتبطة بالعاطفة والتعاطف، وتُعزّز الشعور بالانتماء. وما إن يُعزف لحنٌ ما من الموسيقى العالمية حتى تتلاشى الفوارق اللغوية والثقافية، ويذوب الفرد في تجربة جماعية، كأنها ذاكرة إنسانية واحدة تنبض في الجميع. لذلك لا عجب أن نرى أناسا من قارات مختلفة يتأثرون بالمقطوعة الموسيقية ذاتها، على رغم أنهم لا يتشاركون لغة الكلام.

في المقابل، يقدّم واقعنا مشهدا أكثر قتامة: أطفال يُدفعون إلى عوالم الكراهية، ويُدرَّبون على الخوف من الآخر وعداوته. أيديولوجيات مغلقة تُصاغ بلغة الإقصاء، وتُعيد تشكيل الوعي على أساس الانقسام. في هذا المشهد، لا يُطلب من الطفل أن يفكّر، بل أن يطيع؛ لا أن يشعر، بل أن يقسو.

على الضفة الأخرى، ثمّة مشهد مضاد لا يقل قوة بل يفوقه إنسانية، أطفال وشباب من خلفيات متباينة يجتمعون في أوركسترا واحدة. أصابعهم تتحرّك بتناغم، أنفاسهم تتوحد، ونظراتهم تتلاقى عند إشارة القائد. لا أحد يسأل من أين أتيت، بل كيف تُصغي. هناك، يصبح الاختلاف مصدر جمال، ويتحوّل التنوع إلى انسجام حيّ.

 

تشير دراسات في علم الاجتماع وعلم النفس إلى أن الانخراط في الفنون الجماعية يُخفّف من النزعات العدوانية، ويُعزّز مهارات التعاون والتعاطف. فالفن لا يحتاج إلى عدو كي يثبت نفسه، بل يحتاج إلى إنسانٍ منفتح كي يزدهر.

من هنا لا يكون الرهان على المستقبل بتكديس الأسلحة، بل بزرع الجمال في الوعي الجماعي. حين نضع آلة موسيقية في يد طفل، بدل خطاب الكراهية، فإننا لا نعلّمه لحنًا فحسب، بل نمنحه طريقة مختلفة لرؤية العالم.

قد لا تُنهي الموسيقى الحروب فورا، لكنها تُعيد تشكيل الإنسان بهدوء، من الداخل إلى الخارج. وهذا هو الانتصار الحقيقي: أن ينتصر الحسّ على العنف، والانسجام على الفوضى.

وبين ضجيج الرصاص وهمس الألحان، لا يبدو السؤال صعبا كما نظن: أيّ طريق نريد أن تسلكه إنسانيتنا؟ وأيّ عالمٍ نريد أن نورّثه للأجيال القادمة ؟