موت البساطة في عصر الوفرة
لقد كان الإنسان يعيش في عالم واحد يسوده الانسجام، انسجام نفسي وروحي مع تقدير وفهم للّحظة المعاشة من فرح وقرح ولذة وألم! لكن زمن اليوم يوحي بالعكس تماماً إذ أن انقسام العالم بين واقعي وافتراضي جعل من الانفصام هوية حياة للإنسان الجديد.
فحين يحاول الإنسان أن يتفقد المغزى ويستشرف المعنى من الأشياء الدائرة حوله والتي أعتادت على إثارة عقله و وجدانه سيكتشف أن هذه الأشياء قد غاب عنها المعنى وأصبحت عبارة عن كومة مكدسة موضوعة جانباً، إنها كالضجيج الخال من العبارات الناطقة والمفهومة بعدما كانت في الماضي بعض الأشياء، رغم بساطتها، إلا أنها تبعث بعبق يفوح بالمعنى مما يعكس حالة الإنسجام السائدة أنذاك بين نفسيته ووسطه، وهذا ما يقودنا حتماً لطرح تساؤل مهم وهو كيف هُتكت معالم المعنى والإبداع في تحولات العصر الحديث؟.
لا غرابة اليوم في فقدان المعنى، فلا شك أن الإنسان كان يعيش في جو من الانسجام والراحة النفسية الناتجة عن الرضى، لكن إذا ما ألقينا نظرة على إنسان اليوم فسنجد أنه محنط بكل ما كان يتمناه الإنسان القديم من رفاهية مادية وعالم كالقرية الصغيرة، فإنسان اليوم أصبح يقطن في عالمين المادي والافتراضي وهذا الأخير قرّب وألحق كل شيئ أمام حواسه وجعله يتجرع من الاعتياد حتى بات يتقيأ صديد التخمة الناتج عن التعرض الكثيف للمثيرات، ففقد الانسجام الذي يعرّف الراحة والجمال بين وسطه وعقله وحواسه، لأنه معتاد على المشاهدة البصرية والحسية بشكل مفرط فأصبحت هذه الأخيرة بليدة تجبره على الهروب أكثر والغوص في جوف الرقميات والمحتوى الافتراضي.
حتى الإبداع الباعث عن الجمال البسيط أصبح غير مجدٍ في إثارة العقول والحواس مثلما كان سابقاً، فاليوم إن لم تكن مغنياً صاخباً أوشخصاً غريب الأطوار أو مؤثراً يبث محتوى مدجّن، فأنت تفتقر لعنصر الإبداع وفقاً لمعايير الوقت الحالي الإبداع الفني بين الماضي واليوم. لقد كان الإبداع الفني وهو أن تأتي بشيئ مميز ومبهر أو ربما نافع ويكمن ذلك في زمن أين كانت فيه الأدوات والإمكانيات محدودة مقارنة باليوم ولكن الأهم قد كانت القيمة تشكل المحور الأساسي للإبداع لأنها تضفي لمستها الخاصة في مختلف الأعمال الفنية من موسيقى ورسم و أفلام وغيرها. أما الان فيلاحَظ أن هذه القيمة أصبحت مجرد إثارة للضجيج في وسط فارغ أصبح كحلبة مصارعة عنوانها من يُبرز نفسه أكثر تحت الأضواء ومن يسارع من أجل كسب مزيد من الحشد بغض النظر عن الكومة المكدسة في حساباته الإفتراضية التي يعتبرها منطقها على أنها قيمة مضافة.
وأرى أنه بفقدان عنصر البساطة وطغيان التكديس تولد عنه ذلك العجز الإبداعي الذي احتل كافة أصعدة الفن، فالعجز الإبداعي هو صعوبة الوصول لتحفة تلامس الروح بسبب إنعدام البساطة وهو ناتج عن العجز الفكري، وهذا الأخير كالداء الذي يضرب العقول فيصيب ملكة التفكير بل وحتى الإحساس عند كثير من أبناء جيل اليوم، أما العجز الوجودي فهو الأخطر لأنه ضرب في صميم الفطرة وتغييب للبوصلة الوجودية وسط ركام اضمحلّ فيه المعنى. كما أن التعرض المستمر للمثيرات البصرية والحسية في زمن طغت فيه لامعيارية الفن والأخلاق سيخلق جيلاً من أصحاب "العقلية المتراقصة" وقد سميتها بالمتراقصة لأنها تستجيب لنغمات الخوارزميات التي تحاكي وتخاطب أهواء كل نفس على حدة، فلا إبداع ينبع من العمق ولا فكر يراد به صلاح أو إصلاح توليد التخمة.
لقد سبب الإنفلات المؤدي للغوص العشوائي في العالم الإفتراضي شكلا من أشكال "التخمة العقلية"، وهذه الأخيرة قد أصبحت حديث الساعة نظراً لانتشارها الكبير الناتج عن القفز المستمر والتنقل بين كثافة المعلومات الكثيفة بسرعة فائقة مايسمى بظاهرة(scroll) أو (scrolling)، فيصاب المخ بحالة من والإجهاد وعجز في معالجة البيانات مما يؤدي به إلى التعفن و التخمة والتشتت الذهني وعدم التركيز في أمور أهم في الحياة فمن الطبيعي أن يتولد عن هذه التخمة عجز إبداعي وفكري قد يصل مداها إلى حد المساس بالبوصلة الوجودية مثلما أشرنا سابقاً.
فحين يتشتت الإنسان وسط كل هاذه الزّحمة من الأفكار والإيديولوجيات مع خلوّ ترسانته من التفكير نقدي فإنه سيتيه لا محالة ولن ينتج فناً متماسكاً بل إنه سيكدّس مزيداً من إن التحولات الحالية هي تحولات مصيرية ، لذا فإنه علينا التفكير في التداعيات التي سنجنيها بأفعالنا إن لم نتسلح بالوعي والوعي الذي نتكلم عنه هو المستمد من الركائز الأساسية القويمة التي تساهم في تشكيل وتنشئة الأفراد، لا الوعي الذي يستند على إعادة تدوير ما فات من خراب وتوليده للاّحقين من الجيل.