مسافر زاده الخيال
"كان في البدء الماء، ثم كان كل شيء"، يقول أحدهم إن الشيء قديم قدم البحر، ويقصد النيل، للدلالة على أصالة النيل واعتباره المَعْلم الأقدم على الإطلاق في قريتنا. حكى لي أبي ذات مرة أنه وقبل بناء السد العالي، كان موسم الفيضان حدثاً مهيباً في البلدان التي تطل على النيل، وهو ما تتشارك فيه قريتنا مع قرى كثيرة أوجد لها النيل سبلاً للعيش والزرع.
يحمل الفيضان اضطرابا للبشر وغرقا للزرع، إلّا أنه كان حمالاً للطيبات أيضا، "مسافر زاده الخيال .. والسحر والعطر والظلال".
يبدأ رحلته من أقصى الجنوب منحدراً نحو الشمال، غالباً ما يكون النيل نقطة التقاء الأخضر (الزرع) بالأصفر (الصحراء)، فالصحراء شاسعة شرق النيل حيث تكون المقابر، يبدو أننا توارثنا هذه الفكرة من أجدادنا قدماء المصريين. وكانت السفينة/القارب رمزاً مقدساً عندهم أيضاً، لما لهذه الأداة من أهمية عند العبور إلى الآخرة (الشرق) عبر النيل.
هذا المشهد رأيته مراراً في قرى الصعيد، عند الموت يحمل الناس المتوفى ويتجهون به نحو النيل، هناك يكون المركب (المعدية) متأهباً بلون داكن، يحمل جسد المتوفى في ركن قصي منه من الأمام، وخلفه البشر والسيارات. تعبر المعدية النيل وتتجه ناحية الشرق حيث المثوى الأخير.
كنت حينها في المرحلة الثانوية من التعليم، وكان الوقت شتاء قارساً، ألحّ علي صديقان للخروج في نزهة نيلية ووافقت على مضض. ظننت أنهما قاما بترتيب كل شيء بما لا يدع مجالاً لخوفي من طيشهما. اتجهنا إلى مكان لا أعرفه وأجد صعوبة في تذكر معالمه الآن. هبط صديقي وحرر الحبل الذي يُربط به القارب، بدا لي متهالكاً ولكن قلت لا بأس.
ركبنا القارب وأمسك كل واحد من أصدقائي بمجداف ثم بدأنا نتحرك في ظلام حالك. بدأ الخوف يتملكني عندما اهتز القارب فجأة. انتبهت إلى صديقي، كان أحدهما يدخن مخدراً والثاني أخذ في إشعال بعض الحطب ليعد لنا الشاي، وأدركت أن الرائحة ذهبت بعقلي أيضاً بعض الشيء.
راح الموج يتعالى والقارب يهتز. ولمحنا على ضوء القمر الشاحب مركباً كبيراً يتقدم نحونا، واكتشفت أن أي منهما ليس لديه الخبرة الكافية لإنقاذنا من الاصطدام والغرق المحتوم. ومما يزيد الطين بلة أنني لا أعرف شيئاً عن السباحة، بل وعندي خوف لا إرادي من المياه، إذ تعرضت في صغري لحادثة غرق مؤلمة وتم إنقاذي بغرابة شديدة.
أية كارثة حلّت بنا؟ صرخت وطلبت الإغاثة من الله، عندها كفّ صديقي عن المزاح واستطعنا بصعوبة بالغة العودة للشاطئ مرة أخرى، وهناك اكتشفت أنهما قد سرقا القارب ولم يستأذنا صاحبه قبل استخدامه.
يرتبط النيل كثيراً بجلسات الأُنس والمزاج، ومن النوادر أنه كان شاهداً على شطر من مجد إحدى العائلات بحسب ما حكى لي أحد الرواة، والعهدة على الراوي. كان العمدة يمر بالقرب من شاطئ النيل أو البحر كما يسمونه، وقد رأى مركباً غريباً وملفتاً للنظر قد جنح وعجز عن الحركة. "ولأن سكة أبو زيد كلها مسالك" فقد كان هذا المركب العالق لإحدى أميرات الأسرة العلوية أي تابعاً للقصر.
خطرت للعمدة فكرة لامعة، وأرسل على الفور شيخ الغفر، وحمله رسالة شفهية لينقلها لأهل البلد الذي كان ولايزال، يبعد مسافة عدة كيلومترات عن النيل. وصل شيخ الخفر وقال للناس إن جماعة من بلد مجاور تعدوا على العمدة على مقربة من النيل، فتحرك الناس وتهيئوا للمعركة لينجدوا عمدتهم.
عندما وصلوا قال لهم العمدة إن المعتدين هربوا عندما علموا بمجيئكم، لكن المهم الآن هو محاولة تحرير هذا المركب وإزاحته بسرعة شديدة لأن به أفراداً ذوي شأن وأنذرهم بعقاب قد تلحقه السلطات بالبلد كلها إن لم يقدموا العون لهم. قيل إن الناس التفت حول المركب واستطاعوا بسواعدهم فقط تحريره وسحبه من الوحل، وصعد العمدة وتحدث قليلاً مع من بداخلها وتبادلوا التحيات ثم انطلق المركب يجري في مساره.
بعد شهر أو يزيد قليلا وصل إلى العمدة خطاب من "مصر" يفيد بمنحه "البكوية" من الملك وانهالت عليه العطايا. جنى العمدة ثمار شهامة أهل القرية، ثم ورّث "البكوية" و"العمودية" لابنه، فكتب بذلك فصلاً جديداً في تاريخ العائلة وحكايات تتناقلها الألسنة حتى يومنا هذا.