أشباح "متولي" تعيد محاكمة الموروث
على خشبة مسرح "الطليعة" بقاعة "زكي طليمات" توقفت أمام لافتات العرض المسرحي التي تحمل عنوان المسرحية، ليتبادر إلى ذهني سؤالين بديهيين. لماذا لا يكون العنوان شفيقة ومتولي؟ وما الذي سيتغير لو تحولت إلى متولي وشفيقة؟.
بين هذين السؤالين قدم لنا المخرج المتميز أمير اليماني إجابة ثورية بامتياز. لوحات مسرحية سريالية بنيت على حذر ووعي جمالي بالمعنى الكامن خلف سلطة الموروث وما يمكن أن تحمله الكلمة والصورة البصرية معا في آن، وهي تحاول تفكيك هذا الموروث.
الحدث المسرحي الذي يبدأ ويستمر في بيت "متولي" بعد ارتكابه جريمة قتل "شفيقة"، وهو ما تأكده الجمل الحوارية في النص المكتوب ببراعة من المؤلف محمد علي إبراهيم، من حيث التعامل مع الأمر باعتباره جريمة حتى لو كان فيها محوا للعار في منظور مجتمع البطل، وهي النظرة التي يحاكمها البطل نفسه وهو يترنح بين صورته كقاتل وصورة البطل الذكوري الثائر لشرفه وكرامته.
يستفيق "متولي" من كابوسه محاصرا بين جدران بيته. تلك الجدران الطينية التي اعتلتها وتخللتها جذور الأشجار، والتي شكلت قواعدها "أشباح متولي" التي ارتدت ملابس طينية لتتماهى مع الجدران والأرض من ناحية وتتماهى من ناحية أخرى مع المعنى المجرد للإنسان بعيدا عن نوعه.
ذلك التكوين البصري الملغم بالرموز الذي قدمه مصمم الديكور محمد سعد وتضافرت معه عناصر الأزياء للمصممة غادة شلبي، ليكونا معا عالما سرياليا ينقلنا كمتفرجين إلى حالة التهيؤ والرغبة الملحة في التفسير مع استدعاء إلزامي للموروث.
أجاد مخرج العرض عبر تقسيم شخصية "شفيقة" ليجسد أبعادها الثلاث الطفلة، والقاصر، والمرأة. هذا التقسيم الذي سمح له أن يقطر لنا الشحنات العاطفية التي ساعدته على بناء فكرته إلى جانب أبطال التعبير الحركي، تلك الأشباح التي استخدمها ببراعة لتكون صوت ضمير البطل أحيانا وقضاته أحيانا أخرى، بل وحولتنا جميعا كمجتمع إلى محاصرين بمفاهيمنا الذكورية في قفص الاتهام.
عديد من الأسئلة التي يطرحها العرض وهو يضع "متولي" على رأس المسؤولية المجتمعية والدرامية حول "الجهادية" أو السخرة في الصورة الأساسية للموروث وحول ضرورة منطقية للدفاع عن البيت أو العائلة باعتبارها الجذر الأصلي للوطن الشخصي، مفاهيم القصاص المجتمعي من المرأة حتى ولو كانت ضحية غدر من ضباع هي أبعد ما تكون عن الإنسانية.
الدلالة الخفية بأننا جميعا معرضون للسقوط وهي المقولة التي أظهرها المخرج ببراعة في أحد لحظات العرض التي ينتظر فيها البطل فور عودته المتخيلة للقصاص من شفيقة، ليطرق طرقا محموما على باب الدار من الخارج، في اللحظة التي يتحول فيها الخارج إلى الداخل، ويتحول فيها العالم الخارجي إلى عالمه الداخلي، لينفتح الباب أمام صورة أخرى للمرأة وهي حبيبته نوارة، دعوة مفتوحة لتلقي ما هو أكثر من ذلك بحضور هذا العرض الفريد.
في النهاية لا يسعني إلا أن أقف احتراما لطاقم العمل، متمنيا أن يستمر على مسارحنا تلك العروض المميزة التي تقدم حالة فكرية وفنية متماسكة ومعبرة في الوقت ذاته عن قدرة المسرح على أن يدفع عقولنا وأرواحنا للأمام.