الصمت الذي علا فوق هامة الصوت
مثّل عام 1928 نقطة فارقة في تاريخ الفن السينمائي، فهو العام الذي أعلن فيه الصوت اقتحامه الوسيط السينمائي، على رغم إرهاصاته الأولى التي سبقت نطق الأفلام فعلياً. وهو العام نفسه الذي شرع فيه تشارلي تشابلن في العمل على فيلم "أضواء المدينة" الذي عرضه عام 1931، أي بعدما اعتادت آذان المشاهدين الحوار والصوت المتزامن مع الصورة. ومع ذلك جاء تشابلن مصرّاً على تقديم واحد من أفضل أفلامه الصامتة، ليكون برهاناً على ما باتت تفتقده السينما اليوم من فرط اعتمادها على الحوار والصوت.
كان تشابلن يدرك جماليات السينما الصامتة بوصفها لغة عالمية تتجاوز حدود اللغة المنطوقة، فأعلن موقفه في لفتة بالغة الذكاء ضمن العناوين الافتتاحية التي كتب فيها: "كوميديا رومانسية بالأداء الإيمائي، من كتابة تشارلي تشابلن وإخراجه وإنتاجه". ولم يكن وصف "الأداء الإيمائي" اعتباطياً، فهو لا يقف عند حد توصيف الأداء، بل يحمل رسالة موجهة في ثلاثة اتجاهات: إلى الجمهور، وإلى القائمين على صناعة الأفلام في هوليوود، وإلى نفسه. وقد اتخذ تشابلن من الأداء الإيمائي منهجاً تفرعت منه كل القرارات الإبداعية والجمالية في الفيلم، سردياً وبصرياً، بحيث لا يقوم أي قرار منها بمعزل عن سواه.
تقع أحداث الفيلم في مدينة ما، شأنها شأن أي مدينة أخرى، فيها الغني والفقير. ونقابل أغنياءها في المشهد الافتتاحي حين يزيح أحد كبار مسؤوليها الستار عن تمثال مُهدى إلى أهلها يرمز إلى السلام والرخاء، ليفاجأ الحضور بالمتشرد غافياً فوقه، فيبدأ صراع طريف بينه وبين المسؤولين. ومن هذا المشهد تحديداً يطلق تشابلن حجته الأولى: الصوت ليس للجميع.
استعان تشابلن بالصوت المتزامن في هذا المشهد، لكن على نحو ساخر، إذ استبدل بالأصوات الطبيعية للممثلين أصواتَ آلات موسيقية ذات وقع كوميدي. واقتصار الصوت على علية القوم دلالة تلقي بظلالها على أصحاب رؤوس الأموال في صناعة السينما وسعيهم المحموم وراء استخدام الصوت في أفلامهم. فأثرياء "أضواء المدينة" يهدون مدينتهم تمثالاً للسلام والرخاء بكلمات غير مفهومة، وكأن تشابلن يعقد مقارنة بين هراء المنصة ووعود الصناعة: كلاهما ضجيج لا يغيّر شيئاً على أرض الواقع.
بدءاً من المشهد الافتتاحي يؤسس تشابلن منظومة من الثنائيات المترابطة التي تتضح معالمها تدريجياً: الغنى والفقر، والليل والنهار، والعمى والبصر، والصوت والصمت. وهذه الثنائيات هي البنية التي يقيم عليها تشابلن حجته.
ينطوي الليل في الفيلم على انعدام الفوارق، ففيه يتساوى المتشرد الفقير مع المليونير الذي يتقاطع طريقه معه حين يحاول الأخير إنهاء حياته، فينقذه المتشرد ويلقي عليه موعظة في التمسك بالحياة، فما كان من المليونير إلا أن أخذه تحت جناحه وعرض عليه صداقته، صداقة لا تعرف النهار ولا توجد إلا في الليل مع الخمر والاحتفالات الصاخبة. ومع طلوع النهار يعود المليونير إلى رشده وينكر هذه الصداقة، وكأن الليل هو العمى الذي يغشى بصره ويحجب عنه الفوارق الاجتماعية بينهما، وهو عمى مؤقت وطوعي، عمى من يبصر لكنه لا يرى.
أما في النهار فتتبدى القسوة التي يلاقيها المتشرد في طرقات المدينة، بين مطاردة الشرطة له وتنمر صبية الصحف عليه، باستثناء بائعة الورد التي تعامله بلطف. غير أن الظلام الذي تعيش فيه هذه الفتاة لا يشبه في شيء ظلام المليونير، فظلام المليونير وليد يأس مؤقت، أما هي فتعيش في ظلمة دائمة وقسرية، ومع ذلك تبقى الوحيدة التي "ترى" في المتشرد إنساناً. المليونير يبصر لكنه لا يرى، والفتاة لا تبصر لكنها ترى، وهنا تتشكل الثنائية المحورية التي يقوم عليها برهان تشابلن كله.
يتخذ تشابلن من الرومانسية حبكة أساسية، هي العلاقة التي تجمع المتشرد ببائعة الورد الكفيفة، ومن الكوميديا حبكة فرعية مع المليونير. وحين نربط الخط الدرامي الرومانسي بمفهوم الأداء الإيمائي المعلن في العناوين الافتتاحية، ندرك أن تشابلن قدّم من خلاله واحداً من أجمل المشاهد في تاريخ السينما، مشهداً يعلو فيه الأداء إلى أقصى درجات التعبير، ما يجعلنا نتساءل: ماذا لو كان الحوار حاضراً فيه؟ الجواب قاطع، كان سيفسده.
هنا يبدأ تشابلن بناء برهانه بأدواته الثلاث: الموسيقى والصمت والأداء الإيمائي. فالموسيقى في الفيلم تحمل قوة تعبيرية كبيرة، وقد استخدم تشابلن ما يعرف بـ"اللايتموتيف"، أي اللحن المتكرر المرتبط بشخصية بعينها أو موقف محدد، فوضع لحناً ارتبط بظهور بائعة الورد وببداية تعارفهما. وتعوّض الموسيقى غياب الحوار وتنطق بلسان حال المواقف، كوميدية كانت أم رومانسية، فينشأ بينها وبين مشاهد الفيلم حوار خفي. لكن تشابلن لا يجعلها تدفقاً متصلاً بلا انقطاع، إذ تتخلل الأحداث دفقات من الصمت يرفع من خلالها شأن الصورة وينزّل الموسيقى منزلة ثانية.
واللافت أن الصمت جاء دائماً في مواضع الثقل العاطفي تحديداً: حين أدرك المتشرد للمرة الأولى أن بائعة الورد كفيفة، ثم حين التبس عليها الأمر فحسبته أحد الأثرياء لسماعها صوت رجل يستقل سيارته، ثم في المشهد الذي يقبّل فيه يدها مودعاً عند باب منزلها. وفي كل مرة يُسكت فيها تشابلن الموسيقى ويترك الصورة وحدها، تبلغ اللحظة أقصى زخمها الوجداني.
وهنا يبلغ البرهان ذروته في المشهد الأخير، إذ ألّف تشابلن موسيقاه تحت عنوان "لمّ الشمل"، وقطع تدفقها في لحظتين استدعى فيهما الصمت المحسوس. اللحظة الأولى حين يلتقي المتشرد بحبيبته بعد غياب طويل وبعدما استعادت بصرها، فتتلاشى الموسيقى تدريجياً حتى يسود الصمت نحو أربع ثوانٍ وثلاثة أرباع الثانية، ليجعل تشابلن الصورة وحدها سيدة الموقف، ثم تعود الموسيقى بعنف في نغمات الكمان الحادة لتستعيد سيادتها. أما اللحظة الثانية، وهي الأعمق، فحين تتعرف الفتاة إليه من ملمس يده، إذ لم يستخدم تشابلن الموسيقى ليستدرّ العواطف، بل آثر الصمت والصورة وحدها. الصمتان متساويان في المدة تقريباً، لكن ثقلهما مختلف تماماً.
والصمت وحده لا يكفي، فثمة عنصر لا ينفصل عنه في السينما الصامتة هو الأداء الإيمائي. وفي الفيلم نمطان من الأداء، الأول يعتمد الكوميديا التهريجية ("السلابستيك") التي اشتهرت بها شخصية المتشرد، ويستغلها تشابلن في الحبكة الفرعية مع المليونير معتمداً على الكادر الثابت، بحيث يتيح للمشاهد متابعة المزحة من دون أن يقطع المونتاج تدفقها. والثاني أداء طبيعي في المشاهد الرومانسية، بعيد من المبالغة، يستند إلى انفعالات الممثلين وردود أفعالهم.
وتقترن طبيعية الأداء بحركة الكاميرا، ففي مشهد الالتباس لدى بائعة الورد استخدم تشابلن الحركة الأفقية للكاميرا ("البان") لربط الالتباس بما حدث فعلاً، في لقطة واحدة انتقلت من اليمين إلى اليسار ثم عادت إلى اليمين، والرابط بين الحركتين وجود تشابلن في التكوين نفسه مع الثري حين يستقل سيارته، ثم مع الفتاة حين تظنه إياه. السمع أوهمها، والصورة كشفت ما أوهمها به السمع.
وإذا ما قارنّا المشهد الأخير بأشهر الأفلام الرومانسية، فلن تبلغ هذه الأفلام بما فيها من حوار ما بلغه هذا المشهد بصمته، بكل ما يحمله من خوف وترقب ولهفة، فرُبّ صمت أبلغ من مداد كلمات البشرية. وقد قال الناقد جيمس آغي عن هذا المشهد تحديداً إنه أعظم أداء تمثيلي التُقط على شريط السيلولويد، وهو ناقد لا يبذّر المديح.
ففيه، حين تتعرف الفتاة إلى المتشرد من ملمس يده بعدما استعادت بصرها، تقترب الكاميرا من وجهه اقتراباً يقطع نياط القلب، فيضع يده في فمه في حركة طفولية وعيناه معلقتان بها، وعلى وجهه تتشابك ملامح الترقب والخوف من الرفض والخجل، كلها مكسوة بنظرة حب ما كانت أبلغ الكلمات لتترجمها.
حين توقفت الموسيقى واقتربت الكاميرا وارتفع الأداء التعبيري إلى ذروته، كان ذلك هو الدرس الذي وجهه تشابلن إلى الجمهور والصناعة معاً: الصورة أبلغ في التعبير وأشد أثراً من الصرعة التي انقادوا إليها ولهثوا وراءها.
وتأكيداً على ذلك تأتي آخر جملتين حواريتين في الفيلم، حين يسأل المتشرد الفتاة: "هل ترين الآن؟" فتجيبه: "نعم، أرى الآن". وليستا جملتين اعتباطيتين، فالفتاة أخطأت في هوية المتشرد في أول لقاء جمعهما بسبب استنتاج سمعي خاطئ، وفي النهاية تعرفت إليه باللمس، وبعدما استعادت بصرها أزالت الرؤية الحقيقية الالتباس الذي أحدثته حاسة السمع وحدها. وكأن تشابلن يشدد على أن الصوت وحده لا يكفي كي تكتمل بلاغة جماليات الصورة.