أوزبكستان وقطر شراكة استراتيجية
تشهد العلاقات بين أوزبكستان وقطر تطورا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث تحولت من علاقات دبلوماسية تقليدية إلى شراكة استراتيجية رسمية في أبريل 2024. يعكس هذا التطور رغبة مشتركة في تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والإنساني مستندا إلى تراث حضاري وديني مشترك، ورؤية قيادتي البلدين نحو التنمية المستدامة والاستقرار الإقليمي.
بدأت العلاقات الرسمية بعد استقلال أوزبكستان، إذ كانت قطر من أوائل الدول العربية التي اعترفت بها في 30 ديسمبر 1991، وأقيمت العلاقات الدبلوماسية في نوفمبر 1997. وفي عام 2010 زار الرئيس الراحل إسلام كريموف الدوحة، وتم توقيع اتفاقيات أولية في مجالات الطاقة والصناعات الكيميائية والنقل.
شهدت الفترة الأخيرة زخما أكبر، زار الشيخ تميم بن حمد آل ثاني سمرقند في يونيو 2023، تلتها زيارة الرئيس شوكت ميرضيائيف إلى الدوحة في أكتوبر 2023، حيث وقّع الجانبان اتفاقيات ومذكرات تفاهم في الاستثمار والطاقة والسياحة.
في أبريل 2024 صعد مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية مع إنشاء مجلس تنسيق مشترك، وفي نوفمبر 2025 شارك ميرضيائيف في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في الدوحة، وعقد اجتماعات لمتابعة المشاريع المشتركة. كما عقد المجلس اجتماعه الأول في أغسطس 2025، من الناحية العملية، أدت هذه الزيارات إلى تسهيلات مثل الإعفاء من التأشيرات للمواطنين القطريين، وتعزيز الروابط الثقافية والسياحية.
اقتصاديا، تركز الاستثمارات القطرية على قطاع الطاقة بشكل أساسي. تلعب شركة "نبراس باور" دورا بارزا، حيث تشارك في تحالف دولي لبناء محطة طاقة مجمعة في سيرداريا بقدرة 1600 ميغاواط، وهو مشروع يهدف إلى تعزيز أمن الطاقة في أوزبكستان. كما هناك خطط لمشاريع في الطاقة المتجددة، مثل مزارع الرياح وأنظمة تخزين الطاقة. أما حجم التبادل التجاري، فيظل متواضعا نسبيا: وفقا لبيان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري في 21 أغسطس 2025 (موقع وزارة الخارجية القطرية)، بلغ نحو 1.8 مليون دولار أمريكي في 2024.
تشير بيانات إحصائية دولية أخرى إلى أرقام قريبة، مع صادرات أوزبكستان نحو 1.45 مليون دولار وواردات من قطر تصل إلى حوالي 5.26 مليون دولار، مما يعكس حجما إجماليا محدودا مقارنة بإمكانيات البلدين، ويؤكد الحاجة إلى جهود مستمرة لتوسيعه. رغم هذا التواضع هناك مؤشرات على نمو في 2025، مع زيادة ملحوظة في بعض الأشهر مثل ارتفاع الصادرات الأوزبكية بنسبة تصل إلى 293% في ديسمبر 2025 مقارنة بالعام السابق، وتقارير تشير إلى زيادة بنسبة 45% في بعض الفترات الأولى من العام.
يعتمد النمو المستقبلي على تطوير "الممر الأوسط" للنقل عبر بحر قزوين والسكك الحديدية، مما يجعل أوزبكستان بوابة لقطر نحو آسيا الوسطى، وقطر نافذة لأوزبكستان نحو الأسواق العالمية.
رغم التقدم، تواجه الشراكة تحديات موضوعية. أبرزها المسافة الجغرافية الكبيرة والحاجة إلى بنى تحتية لوجستية أكثر كفاءة، بالإضافة إلى المنافسة الإقليمية من شركاء آخرين (مثل الصين وتركيا في آسيا الوسطى، أو دول خليجية أخرى في الاستثمار). كما أن حجم التبادل التجاري لا يزال محدودا مقارنة بإمكانيات البلدين، مما يتطلب جهودا مستمرة لتجاوز العوائق البيروقراطية، تعزيز الثقة في السوق، وتنويع القطاعات بعيدًا عن الطاقة التقليدية نحو الزراعة المستدامة والتقنيات الرقمية.
تمتد الشراكة أيضا إلى المجالات الإنسانية، حيث تساهم "قطر الخيرية" و"صندوق قطر للتنمية" في مشاريع تعليمية وصحية بأوزبكستان، إلى جانب التعاون في مكافحة الفساد وسيادة القانون.
في النهاية، تمثل الشراكة الأوزبكية القطرية فرصة حقيقية لتعاون بين منطقتين مختلفتين جغرافيا واقتصاديا، تجمع بين موارد قطر المالية وخبرتها في التنمية مع إمكانيات أوزبكستان الطبيعية وسوقها المتنامية. لكن نجاحها طويل الأمد يعتمد على ترجمة الاتفاقيات إلى إنجازات ملموسة ومستدامة، مع آليات مراقبة مشتركة ومشاركة أوسع للقطاع الخاص.
من وجهة نظري، ينبغي على البلدين التركيز على تنويع الشراكة وتعزيز الروابط اللوجستية، ليتحول التعاون من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإسهام الفعلي في الازدهار المشترك والاستقرار الإقليمي. هكذا يمكن أن تكون نموذجًا للتعاون الإسلامي الدولي في عالم متعدد الأقطاب.