الخليج على المحك: حين يُختبر المصير المشترك

23 April 2026
Almaashani@redlampco.com
محمد أحمد المعشني
تابع الكاتب عبر :

لم يكن تأسيس مجلس التعاون الخليجي في أبوظبي عام 1981 مجرد مشروع تنظيمي أو اقتصادي، بل كان استجابة حتمية لزلازل الجغرافيا والسياسة الإقليمية، من الثورة الإيرانية إلى الحروب المجاورة، ومن التداعيات المباشرة إلى حسابات القوى الكبرى. واليوم بعد أكثر من أربعة عقود، يفرض واقع 2026 مراجعة صريحة للمفاهيم التي طالما شكلت العمود الفقري للأمن الخليجي. فقد كشف الصراع الأخير أن الاعتماد على المظلات الأمنية الدولية، مهما بلغت كلفتها، لا يضمن حماية حقيقية، وأن هذه المظلات غالباً ما تُدار وفق أولويات لا تتماشى مع مصالح دول المجلس، بل مع استراتيجيات أكبر تحددها مراكز قرار خارجية.

قبل اندلاع الأزمة، أظهرت التجارب أن دول مجلس التعاون تواجه تحديات عميقة في توحيد الصف، وأن خلافات ثنائية حول اليمن والتحركات الإقليمية الأخرى أضعفت قدرة المجلس على اتخاذ قرارات جماعية حاسمة. ليس مجرد اختلاف في الرؤى، بل ضعف في آليات التنفيذ وصعوبة التوفيق بين مصالح الأعضاء، وهو ما يضع الأمن الخليجي على المحك.

ورغم أن دول الخليج تُعد من بين الأعلى إنفاقاً عسكرياً على مستوى العالم، إلا أن الاعتماد التقني على الخارج لا يزال عاملاً حاسماً في تحديد فاعلية هذا الإنفاق في لحظة الاختبار. التجربة العملية أظهرت أن الوصول إلى منظومات الدفاع الحيوية لا يُحسم فقط بالقدرة الشرائية، بل بترتيب أولويات تحدده مراكز قرار خارجية. وفي لحظة احتياج فعلي، بدا أن توافر بعض القدرات الدفاعية يخضع لاعتبارات لا تعكس بالضرورة أولوية الأمن الخليجي. الأحداث الراهنة أثبتت أن الصمت الدولي تجاه استهداف العمق الخليجي كان بمثابة ضوء أخضر لاستنزاف مقدراتنا، والمشكلة لم تكن في نقص السلاح فحسب، بل في غياب السيطرة على توقيت توفره، مما يجعل أي إنفاق دفاعي مهما ارتفع أقل فعالية مما يطمح إليه أصحاب القرار المحلي. التجربة العملية تؤكد أن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم ما تملكه الدول من سلاح، بل بقدرتها على التحكم في قرار استخدامه في اللحظة الحرجة.

هذا الواقع لا يعكس ضعف القدرة الشرائية وحدها، بل يؤكد أن الأمن الخليجي لا يُصان إلا من خلال إدارة مستقلة للقرار الاستراتيجي، وبناء منظومة دفاعية متكاملة تحمي المصالح الحقيقية لدول المجلس وتحد من فجوات التنسيق التي تستغلها التوازنات الدولية المعقدة. فالعالم اليوم لا يحترم الوحدات المنفردة، بل الكتل المتماسكة القادرة على فرض معادلاتها، وما لم يتم تعزيز هذه الكتل داخل مجلس التعاون، فإن أي صدمة إقليمية أو تصعيد مستقبلي سيترك أثره المباشر على كل دولة، بصرف النظر عن حجم قوتها الفردية.

الحل الاستراتيجي يكمن في تعزيز القيادة الجماعية داخل المجلس، والاعتراف بالدور المحوري للسعودية كشقيق أكبر، لضمان وحدة الصف مع الحفاظ على استقلالية الدول الأعضاء وترسيخ مفهوم المصير المشترك والعمق الاستراتيجي الواحد. هذه الخطوة ليست مجرد توصية سياسية، بل ضرورة حتمية لتفادي الانقسام أمام أي تهديد مستقبلي. لا يمكن التمرد على الجغرافيا، ولا تجاهل الحقائق الإستراتيجية؛ جميع دول الخليج مرتبطة بمصير مشترك، وأمن كل دولة لا يمكن أن يتحقق إلا بتقوية الجبهة الداخلية للمجلس والتنسيق الفعّال بين أعضائه، بعيداً عن النزاعات الثنائية أو التصعيد الحاد بين الدول الأعضاء.

إن التحدي الحالي ليس مجرد اختبار للإمكانات العسكرية، بل امتحان لوعي القيادات وقدرتها على توظيف الموارد وإعادة ترتيب الأولويات وفق منطق استراتيجي واضح يحقق مصالح الشعوب ويحمي مستقبل المنطقة بأسرها. وفي النهاية، يظل الدرس الأوضح: أمن الخليج، في جوهره، لا يمكن أن يُدار إلا بإرادة خليجية واعية، قادرة على قراءة التحولات وصياغة موقعها فيها، لا الاكتفاء بالتفاعل معها. ما لم تتوحد الرؤية وتُنسّق الجهود تحت مظلة مشتركة ومسؤولة، فإن أي صدمة إقليمية لن تكون مجرد تهديد عابر، بل اختباراً وجودياً حقيقياً لكل دولة وكل مواطن في المنطقة.