ماذا بعد مقتل علي لاريجاني؟
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، تبرز فرضيات دراماتيكية حول مستقبل الأنظمة السياسية، خاصة تلك التي تقوم على توازنات معقدة بين الأيديولوجيا والمؤسسات الأمنية. ومن بين هذه الفرضيات، يطرح سؤال جوهري: هل يمكن لحدث بحجم اغتيال شخصية سياسية بارزة مثل علي لاريجاني أن يشكل رصاصة الرحمة في نعش ما يُعرف بالدولة الخمينية في إيران؟
هذا السؤال، رغم افتراضيته، يفتح الباب لتحليل أعمق لبنية النظام الإيراني، وطبيعة تماسكه، وحدود تأثره بالصدمات الكبرى.
أولاً: طبيعة الدولة الخمينية – نظام فوق الأشخاص
لفهم أثر غياب شخصية مثل لاريجاني، لا بد من إدراك أن النظام الإيراني ليس نظاما فرديا تقليديًا، بل هو نظام هجين يجمع بين المرجعية الدينية والبنية الثورية والمؤسسات السياسية الرسمية. يقف المرشد في قمة الهرم، وهو لا يمثل مجرد قائد سياسي بل مركز ثقل أيديولوجي وديني يمنح النظام شرعيته واستمراريته.
إلى جانب المرشد، تعمل مؤسسات محورية مثل الحرس الثوري، الذي يشكل العمود الفقري الأمني والعسكري والاقتصادي للنظام. هذا التشابك المؤسسي يجعل من الصعب تصور انهيار النظام نتيجة غياب شخصية واحدة، مهما كانت مكانتها.
ثانياً: موقع لاريجاني داخل المعادلة السياسية
يمثل علي لاريجاني نموذجا فريدا داخل النخبة الإيرانية؛ فهو ليس مجرد سياسي تقليدي، بل شخصية تجمع بين الخلفية الثورية والخبرة البرلمانية والقدرة على التوازن بين التيارات. لقد لعب دور الجسر بين المحافظين المتشددين والتيار البراغماتي داخل النظام، ما جعله عنصر استقرار نسبي في بيئة سياسية تتسم بالتوتر الداخلي. وعليه، فإن غيابه لا يُفقد النظام أحد رموزه فحسب، بل يضرب إحدى أدوات التوازن الداخلي التي تمنع الانزلاق نحو صراعات حادة بين مراكز القوى.
ثالثاً: الاغتيال كأداة سياسية – الدلالة لا الحدث
في العلوم السياسية لا يُقاس تأثير الاغتيالات بحجم الشخصية فقط، بل بالسياق الذي تقع فيه. اغتيال شخصية مثل لاريجاني قد يحمل عدة دلالات منها، اختراق أمني عميق يعني أن الأجهزة الأمنية رغم قوتها، ليست منيعة، وهو ما يضرب هيبة الدولة. صراع داخلي محتمل في بعض الحالات، حيث تُفسر الاغتيالات كجزء من صراع داخلي على النفوذ، خاصة في الأنظمة المغلقة، وثالثا تصعيد خارجي، فإذا نُسب الاغتيال إلى جهة خارجية، قد يؤدي إلى ردود فعل عسكرية أو أمنية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر.
رغم هذه الدلالات، تبقى النتيجة الأهم: هل يؤدي ذلك إلى انهيار النظام؟ والجواب غالبا لا، فقد أثبت النظام الإيراني منذ قيامه عام 1979، قدرة ملحوظة على التكيف مع الأزمات، سواء كانت اغتيالات لعلماء وقادة، عقوبات اقتصادية قاسية، احتجاجات داخلية واسعة، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:
تعددية مراكز القوة، حيث أن النظام لا يعتمد على مركز واحد، بل على شبكة من المؤسسات التي يمكنها تعويض أي فراغ.
الأيديولوجيا، حيث أن الخطاب الثوري والديني يمنح النظام قدرة على تعبئة الأنصار حتى في أوقات الأزمات.
القبضة الأمنية، حيث يوجد أجهزة قوية مثل الحرس الثوري تضمن السيطرة على أي اضطرابات محتملة.
وصف حدث معين بأنه رصاصة الرحمة يفترض أن النظام وصل بالفعل إلى مرحلة الانهيار، وأن هذا الحدث هو الضربة الأخيرة. لكن في الحالة الإيرانية، الصورة أكثر تعقيدا. حتى لو افترضنا أن اغتيال لاريجاني أضعف التوازن الداخلي وكشف ثغرات أمنية وزاد من الضغوط الخارجية، فإنه يظل عاملًا ضمن سلسلة عوامل، وليس نقطة النهاية.
الأنظمة لا تسقط عادة بسبب حدث واحد بل نتيجة تراكم أزمات اقتصادية وانقسامات داخلية وفقدان الشرعية الشعبية وضغوط خارجية متواصلة.
السيناريو الأكثر واقعية بعد اغتيال لاريجاني هو تشدد داخلي أكبر، فالنظام قد يميل إلى تقوية القبضة الأمنية بدلًا من الانفتاح. وسيعيد ترتيب النخبة مما يسمح بصعود شخصيات جديدة لملء الفراغ، إضافة إلى تصعيد محسوب خارجيا، وردود فعل تهدف إلى استعادة الردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، بدلا من الانهيار، قد نشهد مرحلة إعادة تشكل داخل النظام.
إن اغتيال علي لاريجاني، رغم أهميته، لا يكفي لوصفه بـ“رصاصة الرحمة” في نعش الدولة الخمينية. فالنظام الإيراني، بحكم تركيبته المؤسسية والأيديولوجية، يتمتع بمرونة عالية وقدرة على امتصاص الصدمات. لكن في المقابل، لا يمكن التقليل من أثر حدث كهذا.
بين هذين الحدين، الانهيار الفوري والتماسك المطلق، يبقى الواقع السياسي الإيراني محكوما بمعادلة أكثر تعقيدا. أن الأنظمة القوية لا تسقط بضربة واحدة، لكنها تضعف بتراكم الضربات حتى تصل إلى نقطة اللاعودة.