رهاب حرية المرأة
كلما صادفني منشور على مواقع التواصل الاجتماعي يتناول حرية المرأة ويدعوها للتحرر بصفتها إنسان حر كامل الأهلية البشرية، ويؤكد على ضرورة أن تتحرر المرأة من الأعراف والعادات والتقاليد القامعة وألّا تتخذها ديناً أو دستوراً لحياتها، أجد وابلاً من الانتقادات والتفاعلات السلبية مع مثل هذه المنشورات، والتي تنحصر غالبيتها في كلمات وعبارات مثل "هل تريدون إذاً أن يسود مجتمعاتنا العري والانحلال الأخلاقي؟"، و"أجندة ممنهجة لنشر أفكار الغرب وتحريض نسائنا على الفسق والفجور والتشبّه بالكافرات!"، وبالطبع لا ننسى أولئك الذين لا يقولون سوى "تريدون أن تتحرر المرأة وتكون بغيّ أليس كذلك؟ ألا ترون ما حلّ بالغرب بسبب تبرّج النساء وخروجهن عن الفطرة؟ يا لخبثكم! تدسّون السمّ بالعسل!"، وغيرها من الانتقادات التي دائماً ما تثير بداخلي موجة غضب مشوب باليأس والضحك والتعجّب.
في الواقع، لا أعلم ما هي "الحرية" و"الأخلاق" و"الانحلال" بالنسبة لهم، ولست أدري ما العلاقة بين "الغرب" و"الكفر" و"العهر" وبين محتوى مناصرة حرية المرأة، الذي يدعو إلى تحرر النساء العربيات من الأعراف والعادات والتقاليد القامعة لحريتها، لكن الشيء الوحيد الذي أدركه هو أن هؤلاء الأشخاص – لنسميهم المصابون بـ "رُهاب حرية المرأة"، ذكوراً وإناثاً – لا يفكرون بعقولهم عند مصادفتهم أي مادة إعلامية أو محتوى أو شخص يجادلهم حول حرية المرأة، بل مجرد تتجه أفواههم تلقائياً لترديد ما تشرّبته عقولهم من أفكار سامة بحتة، ترعرعوا عليها أو اكتسبوها من محيطهم ومجتمعهم الذكوري، فنجدهم يربطون الحرية بالعهر، ويجعلون من الفساد الأخلاقي والانحراف مرادفاً للمساواة والحرية، ويغضون البصر عن أن حرية التصرف في الجسد وحرية الاختيار هي حق أساسي للمرأة ولكل إنسان.
والحقيقة إن الحرية وفقاً لإعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789م هي (حقّ الفرد في أن يفعل ما لا يَضُرّ الآخرين)، وورد في معجم المعاني أن الحرية هي (حالة يكون عليها الكائن الحيّ الذي لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة ويتصرّف طبقًا لإرادته وطبيعته، خلاف عبوديّة)، أما قانونياً فهي قُدرة الأفراد على ممارسة الأنشطة التي يريدونها دون إكراه، على أن يخضعوا للقوانين التي تنظّم المجتمع. وإذا اطلع أي كائن عاقل على مفهوم الحرية، لن يجد أي جانب من المفاهيم اللغوية والاصطلاحية والقانونية يقول أن الحرية هي عهر وفجور، ولن يستطيع الإتيان بمثل هذه الأيديولوجيات الذكورية التي تتلف وتشوّه المعنى الأصلي للحرية، ومن هنا نستنتج أن المصابين بـ "رُهاب حرية المرأة" لا يدركون أساساً معنى الحرية، وبالتالي ليسوا مؤهلين للحديث عنها.
يستند هؤلاء المحاربون لحرية المرأة بشكل أساسي إلى الموروثات والعادات والتقاليد في محاججاتهم وتحديد أفكارهم ومعتقداتهم، فهم لا يرون المرأة جديرة بالحصول على الحرية لأنها ليست إنساناً في المقام الأول وفقاً للدساتير المجتمعية، وبالتالي فليس من حقّها أن تعيش بحرية وتختار باستقلالية كالرجل، لأنها من وجهة نظرهم مجرد آلة تكاثر، أو أداة جنس وحنان ونعومة لتلبية متطلبات الرجل والأسرة، ودورها الأساسي في الحياة هو أن تكون زوجة وأماً تفني حياتها في الرعاية وخدمة زوجها وطاعته لأن هذه هي "طبيعتها الأنثوية والأمومية"، وإن أرادت الخروج عن هذا القالب فهي بالتأكيد تريد دخول سوق البغاء أو الهرب مع عشيقها أو التمرد ومخالفة طبيعتها.
المرأة أكبر محارب لحريتها والمؤسف في الأمر أن المرأة نفسها تحارب حرية المرأة وكيانها البشري وطبيعتها الإنسانية، بل وتربي بناتها على الأفكار المدمّرة ذاتها التي نشأت عليها، فتتخلى غالبية النساء عن ذواتهن الحقيقية ويبدأن بالتشكّل داخل القوالب المريحة التي تبقيهن في أمان زائف، وتواصل الأم بث الأفكار المغلوطة وتعززها في بناتها طوال حيواتهن حتى لو كانت تعلم أنها أفكار سامة، لأنها إن تخلت عن هذه الأفكار ستواجه ردود فعل عنيفة من محيطها، كما ستضطر إلى الخروج من منطقة الراحة مما سيسبب لها الكثير من التعقيدات، لذا فالأسهل لها أن تخدع نفسها بأنها نشأت تنشئة سليمة وصحيحة وألا تشعر بأنها نتيجة لآلة تشريب الأفكار الذكورية في الأسر والمجتمعات.
ولم تكن المرأة العربية قط بمعزل عن هذه الآلة، فهي تجد أبويها يفرقان في المعاملة بينها وبين أخيها عندما تكون طفلة، وعندما تكبر قليلاً ترى كيف تقمع أسرتها مواهبها وهواياتها وتحبسها بحجة "الستر" و"العرض والشرف" وأنها "جوهرة"، وعندما تكبر أكثر تجد أسرتها تزوّجها برجل لا تعرفه في حين أن أخاها اختار زوجته بنفسه، وعندما تتعرض للعنف والإهانة من زوجها لا تسمع من مجتمعها سوى "اصبري" و"تحمّلي" و"أطيعي زوجك لتستمر حياتك"، فكيف إذاً ستدرك هذه الإنسانة أنها إنسانة بالفعل؟ وكيف ستتجرأ على نزع القدسية الزائفة التي غلّفوا بها تلك المعتقدات والأفكار المهينة التي زرعوها في ذهنها منذ نعومة أظافرها؟.
ولعل أول ما تواجهه المرأة عند شروعها في رحلة التحرر والتخلّص من الرواسب المجتمعية العالقة في رأسها هي عبارات مثل "هل تريدين أخذ دور الرجل؟" و"لا تتشبهي بالرجال!" أو "أين أنوثتك؟"، وما إذا خضعت المرأة لكلام ونظرة الناس فلن تنال حريتها أبداً، ما ظلت عبدةً للرضا والقبول المجتمعي المرهون في جذوره بعدم الإيمان ببشريتها والانتقاص منها، وجعل الحرية حكراً على الرجال، وجعل قيمة المرأة في جمالها ووزنها واكتناز بعض أجزاء جسدها ومهاراتها في الطهي، فطمسوا بذلك عقلها الذي هو ما يميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات الحيّة، وابتدعوا مسميات مثل "عانس" و"بايرة" على المرأة غير المتزوجة لأن قيمتها الوحيدة تكمن في الزواج ومدى قدرتها على جذب الرجال لتدخل منظومة الزواج الاجتماعية الفاسدة.
الأنثى ليست تلك الصورة المهينة التي صورها المجتمع على أنها "من ممتلكات الرجل" أو "كائن عاطفي ضعيف"، وليست كتلك الصور الدنيئة التي صورتها وسائل الإعلام بأنها "رمز للجاذبية والجنس" أو طُعم مغري لشراء المنتجات والخدمات أو أداة تسويق مثيرة، وليست جارية عليها أن تقدم الجنس لتحظى بمسكن ومعيشة ملائمة، وليست جوهرة ثمينة يجب إخفاؤها وسجنها، وإن تصرفت المرأة على نحوٍ يجعل منها جسد بلا عقل أو روح، فهذا لأن محيطها أوهمها أنها خُلقت لأجل الرجل، ورسخ في رأسها معايير جمال زائفة ترتكز إلى جعلها جسد، وإن تصرفت المرأة على أنها ضعيفة ورقيقة، فهذا لأنها مستضعفة وليست ضعيفة، ونشأت على أن الرقة والعطف من صفات الأنوثة وليست فروقات فردية يمكن أن يتمتع بها أي من الجنسين.
ما يجب على المصابين بـ "رهاب حرية المرأة" أن يفهموه هو أن المرأة الحرة ليست "متشبهة بالغرب"، وليست "منفتحة"، ولا "مسترجلة"، ولا "خارجة عن الفطرة"، ولا "open-minded"، ولا "متمردة"، المرأة الحرة هي إنسان يؤمن بحقّه في الحرية وحقّه في نيل حقوق الإنسان، وحقّه في العيش خارج القوالب التي وضعها المجتمع لكبح وتقييد حريته، المرأة هي إنسانة متكاملة الصفات الآدمية تريد أن تستعيد حريتها التي سلبها منها المجتمع وجعلها جريمة، أو مِنة وعطية تُمنح لها من قِبل إحدى ذكور عائلتها بالقدر الذي يحدده هو، والحرية التي تريدها هي حريتها في كل شيء، في طريقة عيشها واختياراتها وقراراتها ومهنتها واختيار شريكها ودراستها ومصيرها ومعتقداتها، وليس من حق أحد التدخل في قراراتها لأنها ليست طفلاً أو من ذوي الإعاقة العقلية لتتطلب وصياً ومرشداً لها في كل خطوة من حياتها ليتولى شؤونها، بل هي كيان مستقل يجب أن تتمتع بالحق في الاختيار دون قوى خارجية تسيطر عليها وتتحكم في أدق تفاصيل حياتها.