حين يدمر "الكهنوت الحوثي" صنعاء

28 February 2026
صنعاء مدينة يمنية سكنت في القرن الخامس قبل الميلاد (وسائل التواصل)
صنعاء مدينة يمنية سكنت في القرن الخامس قبل الميلاد (وسائل التواصل)
writermaher@gmail.com
ماهر الزبيدي
تابع الكاتب عبر :

بين أزقة "صنعاء القديمة" وحجارتها الأثرية، يهمس التاريخ بوجع. هناك، حيث وضع سام بن نوح أول حجر في أساس الحضارة، تشهد المدينة اليوم أسوأ فصول التغريب والقهر. صنعاء التي كانت تُسمى مدينة المليون مئذنة وروضة العلم، أضحت اليوم أسيرة لفكر كهنوتي ضيق، جاء من عتمة الكهوف ليملأ ضياء العاصمة التي لم تنم يوماً منذ انتشار الجهل والخرافة.

لا يعرف الكثيرون أن "الكهنوت الحوثي" هو ادعاء الحق الإلهي في الحكم والثروة، وربط الدولة بسلالة تدعي القداسة، حيث يُصبح المواطن "رعية" لا شريكاً في الوطن. هذا الكهنوت هو الذي شرعن نهب الأموال تحت مسمى "الخمس"، واستبدل القوانين المدنية بملازم طائفية، كما جعل من المشرف حاكماً مطلقاً فوق الدستور وفوق كرامة الناس.

الخطر الحوثي ليس مجرد مليشيا سيطرت على مفاصل الدولة بالسلاح، بل هو زلزال هوية. لقد حولوا "صنعاء سام" من عاصمة لكل اليمنيين إلى سجن كبير محاط بأسوار من الرعب والجبايات. لم يكتفوا بقطع الرواتب وتجويع الأفواه، بل عمدوا إلى ضرب الصورة الصنعانية اليمنية الأصيلة.

اليوم، حلت الصرخة محل الأذان، وغطت صور الشعارات الطائفية واجهات المنازل التي كانت تزين بالقمريات الراقية. إنهم يعيدون صنعاء إلى "عصر ما قبل الدولة"، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الكاهن، ولا قانون يسود إلا قانونهم.

وإذا كانت صنعاء هي القلب، فإن الحديدة هي الشريان. لكن هذا الشريان بات اليوم يُستخدم لخنق اليمنيين لا لإطعامهم، فقد حول الحوثيون "عروس البحر الأحمر" إلى منصة للصواريخ ومخزن للألغام، مما جعلها هدفاً لتوترات عالمية لا ناقة لليمنيين فيها ولا جمل، الدمار الذي طال الموانئ والمنشآت ليس مجرد ركام، بل هو تدمير ممنهج لمستقبل أجيالٍ كان من حقها أن تعيش بسلام على ضفاف بحرها.

حين تسير في شوارع صنعاء اليوم، ترى العجب؛ مدينة كانت تضج بالحداثة، عادت لتعتمد على الحطب للطبخ، والظلام الدامس ليلاً، والكتاتيب الطائفية لتعليم الصغار بدلاً من المدارس الحديثة، هذا هو جوهر الكهنوت: تجريف الزمن، وإعادة قسرية للإنسان اليمني إلى عصور التخلف، لأن الجهل هو التربة الوحيدة التي ينمو فيها الاستبداد.

إن الخطر الحوثي ليس مجرد تهديد سياسي عابر، بل هو قوة تحاول إزالة وتدمير التاريخ اليمني. لكن صنعاء سام التي هزمت الغزاة عبر آلاف السنين، لن تقبل طويلاً بذلك الكهنوت.