فيلم (الجدار).. قصة حضارتين وثقافتين

28 فبراير 2026
مشهد من فيلم الجدار (وسائل التواصل)
مشهد من فيلم الجدار (وسائل التواصل)
hythamalsdyan@gmail.com
هيثم علي الصديان
تابع الكاتب عبر :

يعد فيلم الجدار (the wall) للمخرج الكندي دوغلاس ليمن أو دوغ ليمَن من أهم الأفلام الهوليودية التي حاولت أن تقدّم مقاربة موضوعيّة لبعض جوانب الغزو الأمريكي للعراق، وهو الأكثر إثارة وتشويقاً بين مجموعة من الأفلام الأخرى التي كانت أكبر ميزانية وأكثر تعقيداً، بل يمكن الزعم أنه أجمل هذه الأفلام وأفضلها. 

هذا ليس تقييماً انطباعياً من مشاهد عربي متحيّز لقضايا الأمة ولمشاكل العرب وعلاقتهم بالآخر، وإنما هو وجهة نظر مبنية على أسس فنية وتاريخية وفلسفية.

عرض الفيلم أوّل مرة سنة 2017، يستغرق ما يقارب الساعة ونصف الساعة، ويقوم على ثلاثة ممثلين فقط: أرون جونسون وجون سينا وليث نقلي، فأمّا جون سينا فيكاد دوره يتجسد في عرض شكلي استعراضي  للجندي الأمريكي وجسامته المهيبة، ولم يرد المخرج منه إلّا بضعة أمتار يقطعها وهو يتجوّل بين قتلى الجنود الأمريكان الذين اصطادهم القنّاص العراقي.

كذلك ينحصر دور ليث نقلي على الأداء الصوتي فقط، حيث يقوم بدور القناص العراقي المختبئ وسط ركام أحد المباني المدمّرة؛ لكن صوته ونبرته وحواره وكلماته هي بطل الفيلم الحقيقي الذي عوّل عليه مخرج الفيلم ليمن وكاتبه دوين وورل.

أرول جونسون هو محور الفيلم وبطله التقليدي بالمفهوم السينمائي المعتاد، أي بطل الكاميرا الأوحد؛ فالفيلم يكاد يكون محصوراً فيه. ولقد كان بارعاً في أداء الدور وإيصال مراد مخرج الفيلم: ذاك الجندي الأمريكي البارع في علم التقانة العسكري وفي التسديد والرمي، لكنّه عديم الثقافة وفقير الاطلاع، ومؤمن بنبل الغاية الأمريكية من وجودهم في العراق، أو بالأحرى مغرر به ومخدوع بالدعاية الإعلامية لبلاده، هكذا أراد مخرج الفيلم أن يوصل فكرة عمله.

قصة الفيلم تقوم على كمين يودي بجنود أمريكيين، فيأتي جنديان لمراقبة المكان بقصد الإيقاع بالقتلة، لكنّهم يفاجؤون أنهم هم من وقعوا في المصيدة. ويُصاب أحد الجنديين بطلق ناري ولا يتمكن من الوصول إلى مكان يقيه من مرمى النيران، فيما يتمكن الآخر من اللجوء خلف بقايا جدار متهدّم بعد أن أُصيب هو الآخر في إحدى ساقيه عند ركبته وهو يحاول إنقاذ زميله ونجدته من دون جدوى، ويتبين له أن القاتل واحد لا غير، يحاول الاتصال بمركز القيادة من دون فائدة لأنّ جهاز اللاسلكي قد أُعطب جرّاء طلقة من ذاك العدو الذي أوقع بهم. 

يتمكن القاتل العراقي من التواصل مع الجندي المحتمي بالجدار عبر قبضة جهاز اتصال اللاسلكي، ليعلم هذا الجندي أن هذا قناص عراقي، فيظن أنه قناص بغداد ذائع الصيت المعروف عند الأمريكان بقناص (جوبا)، بيد أن القناص يخبره أنه مواطن عراقي مدني، كان مدرس لغة إنجليزية ورأى بعينيه كيف قصف المحتل الأمريكي مدرسته وجعل الأطفال والتلاميذ أشلاء متناثرة، ويخبره أن هذا الجدار الذي يتحصن خلفه هو بقايا مدرسة أخرى دمرتها القوات الأمريكية التي جاءت بهذا الجندي ورفاقه من مئات ألوف الأميال لغزو هذا البلد.

يظهر في الفيلم براعة القناص العراقي في التسديد والرمي، لكن الأهم أن الفيلم يظهره مدرساً عارفاً بالأدب الأمريكي وبشعرائه، وأثناء الحوار بينهما يحدّثه عن (إدغار آلان بو) وتجربته في الجندية وأنه شاعر أحسن منه جندي محارب. لقد استطاع الكاتب والمخرج إدخال إدغار وأشعاره بطريقة فنية غير مصطنعة؛ لأنها جاءت من بنية العمل والسياق، في ظل تقاطع قصة بو وتجربته في الجندية مع ما يجري من حوار بين القناص العراقي المدافع عن بلاده، والجندي الأمريكي المحتل. 

هذا الجندي الذي لا يفقه شيئاً في تاريخ الأدب الأمريكي، ولا يعرف عما يتحدث هذا القناص حين يأتي على ذكر الشاعر الأمريكي بو. هذا الجندي الذي على الرغم من معرفته في علم الرماية وكيف استطاع أن يحدد مكان القناص العراقي، لكنه لا يعرف من الأدب إلا (شكسبير)، فيصير محطّ تندر وسخرية هذا القناص العراقي، الذي يغلبه على ثلاث مستويات: المستوى الأخلاقي بين مدافع عن وطنه وغاز محتلّ، والمستوى الثقافي بين مدرس مدني مطلع على أدب اللغة الإنجليزية وبين جندي أمريكي لم يسمع بتلك الأسماء قط، والمستوى العسكري والذهني حين استطاع الإيقاع بهذين الجنديين، وقبلهما بمجموعة من الأمريكان تمكن منهم جميعاً وبرصاصات محكمة في الرأس، وثم من بعدهم سوف يوقع بالقوّة التي ستأتي لنجدتهم حيث يتركهم ينقلون الجندي إلى الطائرة ولا يصوب عليهم إلا بعد أن تحلق ليسقطها في الأرض، ثم يتواصل مع القيادة منتحلاً أنه أحد عناصر النجدة ويطلب مدداً آخر.

أحداث الفيلم كلها تدور خلف الجدار، وهذا الصنف من الأفلام ذات الطابع المسرحي التي تكرّس المشاهد جميعها في مكان واحد وعلى ممثل واحد أمام الكاميرا، هي من أصعب الأعمال السينمائية، على الممثلّ وعلى المخرج الذي يجب أن يحافظ على المستوى العالي من التشويق لمنع ملل المشاهد، وهي كذلك على كاتب السيناريو الذي يجب أن يكون حواره مكتوباً بعناية من دون تكرار ممل، ومن دون ثرثرة بلا قيمة. وأيضاً استطاعت كاميرا الفيلم أن تستخرج من ملامح بطلها ملامح الجندي الشاب ذا القسمات المراهقة بوجنته السمراء الشاحبة واختلاس عضلة عضده البارزة، وهي بعيدة عن ملامح جونسون الناعمة أو القريبة من الأنوثة.

الفيلم يختلف عن أغلب الأفلام الأمريكية التي تظهر العراقيين إرهابيين مجردين من الإحساس والرحمة، وتظهر المقاتل الأمريكي شجاعاً رحيماً ذا رسالة إنسانية وحضارية راقية. والفيلم لا يغالي فلا يعرض لأصل الحرب وتنحية صدام حسين؛ بل يوحي بأن هذا ربما يكون له عذره ولو عند الأمريكان وفي الذهنية السياسية الغربية، ولكن ماذا بعد أن أنجزت المهمة وانتهت الحرب، كما ادعى جورج بوش الابن؟ لماذا لم يغادروا؟ لقد أظهر الفيلم نباهة القناص العراقي لا كمقاتل، وإنما كمحلل نفسي واجتماعي يتفهم العقلية الجمعية الغربية ويعرف كنه الذهنية الاجتماعية والثقافية والأخلاقية الأمريكية التي سلمت لدولتها بأن تكون شرطي العالم وتسقط الطغاة وتنشر الديمقراطية الغربية؛ ولكن هل صدقوا وعدهم؟ هل جلبوا الخير للعراق؟ وما هو المقابل الإنساني والاقتصادي والنفسي والسياسي الكارثي الذي وضعوا بلداً وشعبه فيه؟.

الفيلم لم يحقق ذاك الربح المأمول والذي يستحقه حقاً: فنيّاً وموضوعيّاً، وذلك على الرغم من أنه لم يخسر، وزاد جني شبّاك تذاكره على ميزانيته، بيد أنه لم يلبِّ المتطلبات الذهنية للمشاهد الأمريكي الاعتيادي. وكانت القيمة الفكرية للعمل التي قامت على حوامل سيناريو بسيط بعيد عن التكلف وعن الإمعان في التفلسف المشهدي السينمائي المعهود، هذه وغيرها جعلت الفيلم لا يكسر أفق توقع المشاهد إيجابياً، وإنما هي كسرت أفق رغبة المزاج السينمائي العام لشباك التذاكر.

ومن المغالطات أن بعض النقاد افترض أن القناص هو "جوبا" الشهير، وهذا غير صحيح؛ لأن الفيلم تقصد أن يركّز على مدنية القناص، وأنه عراقي مدني لا دخل له بالعسكرة والجندية، بيد أن الدفاع عن أرضه وبلده وما خلفه الغزو والاحتلال من دمار وإجرام هي حوافز دفعته لاختيار هذا المصير.

لا شكّ في أن أصحاب العمل كانت غايتهم الأولى هي الربح لا الفكرة، وإنما كانت الفكرة وسيلة للغاية. ولكن هذا لا يقلل من الموقف الأخلاقي لصناع العمل. والأهم أنه يعطي صورة من جوانب القيمة الأخلاقية للحرية والديمقراطية وحواملهما الثقافية والفلسفية؛ فلو كان هذا الفيلم من إنتاج بلاد لا تملك تلك الثقافة لما سمح به، ولو كان صناعه من بنية مجتمعية مختلفة لنظر إليهم بوصفهم خونة وعملاء يسعون لهدم قيم البلد الذي ينتمون إليه، وإن كان بلداً استعمارياً محتلاً لبلد يدافع أهله عنه.