حين يتحكم الذكاء الاصطناعي بالسياسة
أصبح الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة ليس مجرد تقنية حديثة، بل أداة تتحكم في تدفق المعلومات، تؤثر على الرأي العام، وتعيد رسم توازن القوى السياسية عالمياً. وبقدر ما يُستخدم في تعزيز الابتكار والتنمية الاقتصادية، فإنه يُستخدم أيضاً في تشكيل "الروايات" السياسية"، أي الطريقة التي تُعرض بها الأحداث والحقائق للناس.
أشارت دراسة لـ"معهد بروكينغز" نشرت في 2023 إلى أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على إنتاج محتوى سياسي مخصص لكل مستخدم على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يزيد احتمالية الاستقطاب السياسي. وهذا ما ظهر بوضوح في الانتخابات الأميركية 2016، حيث استُخدمت أدوات تحليل البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في استهداف الناخبين بإعلانات سياسية مؤثرة.
وفق تقرير لمركز "تشاتام هاوس" عام 2024، فإن الذكاء الاصطناعي يُستخدم بشكل متزايد في مراقبة المواطنين داخل بعض الأنظمة السلطوية، عبر تحليل البيانات البيومترية والتفاعلات الرقمية، وفي المقابل تواجه الديمقراطيات تحدياً في كيفية الموازنة بين حماية الخصوصية وبين حماية أمنها القومي من التدخلات الأجنبية عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لم تعد الحكومات وحدها من يحدد قواعد اللعبة السياسية. شركات مثل "أوبن إيه أي" و"غوغل ديب مايند" و"أنثروبيك" تتحكم اليوم في تطوير النماذج الأكثر قوة، وتضع حدوداً على كيفية استخدامها، ويشير تقرر لـ "غارانغي انداومنت" عام 2024 إلى أن هذه الشركات باتت تمارس نفوذاً يفوق نفوذ بعض الدول في صياغة السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً في قضايا الأمن والمعلومات.
عندما نقول إن الذكاء الاصطناعي يصوغ الرواية العالمية ويقود الأحداث، فإننا نعني الصورة الذهنية أو الإطار التفسيري الذي يقدَّم حدثا أو قضية. على سبيل المثال، قد تُقدَّم الحرب في أوكرانيا باعتبارها "دفاعاً عن الديمقراطية" في الإعلام الغربي بينما تصوَّر في الإعلام الروسي كـ"حرب ضد التوسع الغربي"، وهنا نجد أن الذكاء الاصطناعي يجعل هذه الروايات أكثر انتشاراً عبر التضخيم الآلي للمحتوى.
وفقًا لتقرير "أم أي تي تكنولوجي ريفيو" في 2024، يُستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم في صياغة خطابات سياسية آلية، وتحليل ردود أفعال الجماهير لحظة بلحظة. ومن المتوقع أن تلعب هذه الأدوات دوراً محورياً في الانتخابات الأميركية 2028، ما يثير جدلاً حول الشفافية وحدود استخدام هذه التكنولوجيا.
تتمحور هذه المخاطر حول: من يضع القواعد؟ وهنا يحذر تقرير "المنتدى الاقتصادي العالمي" الصادر في 2025 من أن غياب إطار عالمي مشترك لتنظيم الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى سباق تسلح معلوماتي، حيث تُستَخدم النماذج الذكية في التضليل والتأثير على السياسات الخارجية. وهذا يجعل مسألة من يتحكم في هذه الأدوات قضية أمن قومي عالمي.
أخيراً، يجب أن نعي بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برمجيات ذكية، بل أصبح فاعلاً سياسياً بشكل غير مرئي يعيد تشكيل موازين القوى عبر العالم، وليبقى السؤال المهم الذي يدور في أذهاننا الآن: هل ستكون هذه الأداة في خدمة الحقيقة والشفافية أم في خدمة التضليل والسيطرة؟