مأزق الحداثة: هل أصبح العمر تهمة؟
لماذا يظن الشباب أنهم اخترعوا المعرفة وأن التاريخ بدأ معهم؟، على مر العصور، نشأ صراع الاجيال، الذي اختلف باختلاف البيئة والتربية؛ فكان هناك ابناء يعاندون اهلهم او يتمردون عليهم، اذ ان لكل جيل نظرته الخاصة للحياة. اما اليوم، فلم يعد الخلاف بين الاجيال مجرد فجوة طبيعية او نقاش صحي حول تطور المفاهيم، بل اخذ شكلا منحرفا، وهي حالة استعلاء فجة. جيل اليوم يعتقد، بكل جرأة مكللة بالثقة، ان من سبقه ليس فقط قديم الطراز، بل اقل وعيا واصالة، وكان شيب الراس صار صكا للجهل لا دليلا على تراكم الخبرة.
هذا اليقين، الذي يفيض من شاشات الهواتف، لا ينبع من معرفة حقيقية بقدر ما ينبع من تضخم الانا، فهي اشبه بـ"نرجسية عصرية" تجعل الشخص يظن ان ضغطة زر تمنحه عمقا لم يصل اليه غيره، فيصبح الراي حقيقة مطلقة، والسطحية فلسفة العصر، والضجيج مرجعية، وفي هذا الاطار، يرى علماء النفس ان الغطرسة ليست مرضا، بل عرضا من اعراض المرض، وهي بالتالي مشكلة في الشخصية.
في زمننا، لم يعد الجهل غياب معرفة، بل هو غياب القدرة على الشك. فالجاهل الواثق من نفسه اخطر من اي جاهل اخر، فهو لا يصغي، لا يراجع نفسه، ولا يترك مساحة للخطا، ويحتقر كل من لا يستخدم ادواته الرقمية او لغته العصرية.
والمخيف ليس فقط رفض هذا الجيل لما سبق، بل رغبته الجامحة في الغائه، يسخر من التجربة، يزدري التراكم، ويرى في كل من لا يواكب سرعته كائنا منتهي الصلاحية، محولا الحداثة من مساحة للتطوير الى مقصلة للاقصاء.
لكن النرجسية قصيرة الذاكرة، تعيش اللحظة وتتوهم انها "مبتدا التاريخ"، متناسية ان كل قفزة اليوم قامت على اكتاف من اخطاوا بالامس. والجيل الذي يزدري ماضيه اليوم، سينصدم غدا حين يجد نفسه "ماضيا" في عيون من هم اصغر منه.
لا يمكن تبرئة الاجيال السابقة تماما؛ بعضهم مارس وصاية خانقة باسم "الخبرة"، وحول الحكمة الى سلطة قمعية، ما دفع الشباب للتمرد بلغة الغرور دفاعا عن الذات، لكن الرد على الوصاية لا يكون باعدام الاخر، بل بكسر وهم العصمة لدى الجميع.
الحكاية ليست "صراع اجيال" بقدر ما هي "صراع انوات" شابة تضخمت لان احدا لم يعلمها فضيلة التواضع امام المعرفة، و"انوات" قديمة ترفض مراجعة نفسها، وبين الطرفين يختنق الحوار وتتحول الاسئلة الى احكام مسبقة.
المشكلة الحقيقية اننا صرنا نخلط بين امتلاك المعلومة وبين فهم الحياة، بضغطة اصبع تجد كل شيء امامك، لكن هذا لا يمنحك البصيرة التي لا تباع ولا تحمل كتطبيق، بل تنتزع انتزاعا من وجع الايام وتجاربها، وهذا الوهم حول الكثيرين الى قضاة في محكمة رقمية، يلغون ببرود كل من لا يشبههم او يواكب صرعاتهم، وكان الحداثة صارت سجنا للاقصاء لا فضاء للحرية.
ان تقطع صلتك بما مضى ليس تحررا كما تظن، بل هو انتحار معرفي؛ فانت تعزل نفسك عن دروس دفع غيرك اثمانها من سنوات عمره ليختصر عليك الطريق، نحن ببساطة بحاجة لقليل من التواضع، لان يدرك الشاب ان "غوغل" لا يملك كل الاجوبة، وان يتقبل الكبير ان الحكمة لا تكتمل الا بلمسة من روح العصر.
في النهاية، التقدم الحقيقي لا يقاس بمدى براعتك في السخرية او بعدد المتابعين، بل بالقدرة على الاصغاء والاعتراف بان الحكمة لا تسكن عمرا واحدا، ولا يحتكرها جيل دون غيره. نحن جميعا عابرون، والتقدم لا يقاس بسرعة تنصلك من ماضيك، بل بمدى اتساع قلبك وعقلك لاحتواء من سبقك ومن سيلحق بك. الانسان لا يكتمل بمجرد امتلاك الحدث، بل بالحفاظ على الاصل، واللحظة التي تظن فيها انك استغنيت عن حكمة من قبلك، هي اللحظة التي تبدا فيها فعليا بالرجوع الى الوراء.