لماذا لا يخيفنا اقتراب النهاية؟

28 January 2026
ساعة "يوم القيامة" اكتسبت اسمها من الصحف عام 1968 (أ ف ب)
ساعة "يوم القيامة" اكتسبت اسمها من الصحف عام 1968 (أ ف ب)
lubna.awayda@gmail.com
لبنى عويضة
تابع الكاتب عبر :

سقط الإنسان المعاصر في فجوة الحداثة، وسقطت معه أخلاقياته والمثل العليا. لم يعد يجري الزمن بل صار يسأل ويحاسب، وهذا ما دفع العلماء بتاريخ 27 يناير (كانون الثاني) 2026 لتقديم ساعة يوم القيامة. لم يكن السبب اكتشاف خطر جديد، بل مراقبة أخطاء البشر المستمرة، لكن السؤال الأهم ليس كم بقي لنا، بل لماذا لم نتغير؟ لماذا لم نستبدل تصرفاتنا وأفعالنا بعد كل هذا التحذير المستمر لسنوات؟

ساعة يوم القيامة ليست ساعة تقيس الوقت، ولا نبوءة لنهاية محددة، بل مؤشر رمزي ابتكره العلماء ليكشف مستوى الخطر الوجودي الذي يهدد البشرية من صنع الإنسان نفسه. كلما اقتربت عقاربها من منتصف الليل، دلّ ذلك على تصاعد التهديدات، من السلاح النووي إلى تغير المناخ والتكنولوجيا غير المنضبطة، وكأنها مرآة تحذيرية تكشف المسافة بين قدرات الإنسان وحكمته، وتصرخ بأن القوة بلا وعي قد تكون أسرع من الزمن نفسه.

يمكن تشبيه ساعة يوم القيامة بمرآة متشققة تعكس صورة الإنسان، أي يتقدم علميا ويتراجع إنسانيا. في انعكاسها نرى حضارة تجري كقطار بلا مكابح، تتباهى بسرعة التطور فيما تتجاهل المنحدر في نهايته. نحن نملك مفاتيح الذرّة، لكننا أضعنا مفاتيح الحكمة، ونراكم المعرفة كما تُراكم المتفجرات بلا خطة أمان، فكل ثانية تقتطع من الزمن الفاصل عن منتصف الليل ليست نبضا ينقص من عمر الكوكب، بل طبقة أخرى من اللامبالاة تُضاف إلى جدار سميك يفصل الإنسان عن نتائج أفعاله.

تدار المخاطر الكبرى في السياسة كما تُدار الصفقات عبر شد الحبال، المساومات، المهل المفتوحة. فالنووي ورقة ضغط، المناخ بند مؤجل، الحروب مختبرات مفتوحة لتجريب الخراب. يمكن القول إن العالم يشبه لاعب شطرنج مهووس بالربح، مستعد لحرق الرقعة طالما أن الملك لا يسقط فورا. أما الكوارث، فأصبحت كالمطر الحمضي، نعرف أنه سام، لكننا نخرج تحته من دون مظلة، ونتجادل حول نسبة الضرر بدل أن نغيّر الاتجاه.

لم يعد الخطر اليوم في القنابل أو الانبعاثات، بل في الاعتياد. التحذير صار خبرا عابرا، والكوارث رسماً بيانيا لا تحرك أحدا. ساعة يوم القيامة تتحول من جرس إنذار إلى شاهد صامت على موت الحس الجماعي. اليوم نعيش عصرا تُدار فيه النهاية بلغة تقنية باردة، فيما تُخدّر الضمائر بمصطلحات مطمئنة، كأن العالم يضع ساعات عازلة للضجيج بينما المبنى يحترق.

ثمة شعوب لا تحتاج إلى ساعة لتعرف هذا التوقيت. تعيش دائما قبل منتصف الليل بقليل، تتقن فن الوقوف فوق الشقوق، وتسمّي النجاة المؤقتة استقرارا. تؤجّل الانهيار كما يُؤجّل زلزال في خطاب رسمي، وتتعامل مع الخطر كقدر لا كخيار سياسي وأخلاقي. في هذه الأمكنة، لا تُقاس الساعة بالثواني، بل بالخسارات المؤجلة.

ساعة يوم القيامة لا تعلن نهاية محتومة، بل تفضح فرصة تُهدر. تقول إن القرار ما زال بأيدي البشر، لكن الأيدي مشغولة بإدارة الخراب بدل إيقافه. الزمن، في هذه اللحظة، لم يعد عدوا بل شاهدا، والشاهد حين يصمت طويلا لا يفعل ذلك رحمة، بل لأنه يعرف أن الحقيقة باتت واضحة بما يكفي.