"يسمعون حسيسها" جسدت جرائم البعث
لم تكن رواية «يسمعون حسيسها» للكاتب أيمن العتوم مجرد نص أدبي عن تجربة السجن، بل شكّلت، في لحظة صدورها، خرقاً واعياً لجدار الصمت الذي أحاط بسجون نظام البعث السوري لعقود طويلة. في زمن كانت فيه أخبار المعتقلات تُقابل على الدوام بالإنكار أو التشكيك، جاءت هذه الرواية لتقول ما لم يُقل، ولتمنح القارئ العربي، خصوصاً الشباب، صورة أولى عن جحيمٍ سينمائي.
اعتمد العتوم في بناء روايته على شهادات حقيقية لبعض الناجين من سجن تدمر، لكنه لم يتعامل معها بوصفها مادة توثيقية جامدة، بل أعاد تشكيلها داخل نص روائي ذي بعد أخلاقي وإيماني واضح. لم يكن الهدف سرد الوقائع بقدر ما كان نقل التجربة: تجربة الإنسان حين يُسحق جسدياً ونفسياً، ويُجرّد من اسمه وزمانه وكرامته، ليُترك وحيداً أمام سؤال البقاء.
في «يسمعون حسيسها» لا يظهر السجن كمكان مغلق فحسب، بل كفضاء يُعاد فيه تعريف الإنسان من جديد. الجسد يتحول إلى ساحة تعذيب، والوقت يفقد معناه، والعلاقات الإنسانية تتآكل تحت ظروف الخوف والجوع والضرب. التعذيب في الرواية ليس حدثاً استثنائياً، بل نظام يومي هدفه تحطيم الإنسان من الداخل، لا فقط انتزاع اعتراف أو فرض عقوبة.
وسط هذا الانهيار الشامل، يبرز الصبر ليس كفضيلة أخلاقية، بل كفعل مقاومة. الصبر هنا ليس استسلاماً، بل تشبثاً بالحياة، ورفضاً داخلياً للسقوط الكامل. أما الإيمان بالله، فيغدو الملاذ الأخير، ليس بوصفه خطاباً واعظاً، بل كوسيلة وحيدة لحماية الذات من الجنون والتلاشي. توحي الرواية بوضوح أن كل أشكال النجاة الأرضية تُسلب من السجين، ولا يبقى له إلا علاقته الفردية بالله.
أحد أهم أدوار الرواية تمثّل في وصولها إلى شريحة واسعة من القراء الشباب. بأسلوب مباشر، ولغة وجدانية قريبة من المرجعية الدينية والثقافية السائدة، استطاع العتوم أن ينقل موضوع السجون من حيّز النخبة الثقافية إلى الفضاء الشعبي، حيث إن كثيراً من الشباب قرؤوا الرواية لا بوصفها عملاً أدبياً فحسب، بل كأول صدمة معرفية عن طبيعة نظام البعث، وعن حجم الإجرام الذي كان يُمارَس خلف الجدران.
من هذه الزاوية، لم يكن تأثير الرواية جمالياً فقط، بل تربوياً ووجدانياً. لقد زرعت الشك في الخطاب الرسمي، وكسرت فكرة «المبالغات المعارضة»، وفتحت باب التساؤل حول ما يُخفى باسم الدولة والأمن.
لسنوات عديدة، وُجّهت للرواية ولأدب السجون عموماً تهمة التهويل والمبالغة. بدا للكثيرين أن ما يُروى يفوق حدود المعقول. لكن ما كُشف لاحقاً، بعد سقوط النظام المجرم وانفتاح أبواب السجون، قلب هذه القراءة رأساً على عقب؛ فالصور، والشهادات، والزنازين، وأدوات القتل والتعذيب التي ظهرت، وعلى رأسها المكابس، أثبتت أن الواقع لم يكن مطابقاً لما ورد في الرواية فحسب، بل أبشع وأعمق وأقسى مما استطاعت لغة الأدب احتواءه.
هنا تحديداً انهارت فكرة «المبالغة الأدبية». لم يعد السؤال: هل بالغ الكاتب؟ بل أصبح: كيف استطاع الأدب أصلاً أن يقترب من هذا الجحيم؟ بعض ما كُشف لاحقاً يتجاوز القدرة على السرد، ويتجاوز حتى طاقة القارئ على الاستيعاب. إننا أمام مستوى من الإجرام لا يسعى فقط إلى التعذيب أو الإذلال، بل إلى إبادة بطيئة وممنهجة.
اليوم تُقرأ «يسمعون حسيسها» قراءة مختلفة تماماً. لم تعد رواية صادمة، بل نصاً متحفظاً قياساً بالحقيقة. لم تفضح الرواية ولم تكذب، بل تبيّن أنها قالت أقل مما كان يجري فعلاً. الواقع تجاوز الخيال، وتجاوز قدرة الأدب نفسه على التمثيل.
من هذا المنظور، لم يؤسس أيمن العتوم أدب المعتقلات في العالم العربي؛ فقد سبقه إليه كتاب كبار، لكن العتوم رسّخ هذا الأدب في الوعي الجماهيري، وخصوصاً لدى فئة الشباب، وأدى وظيفة تاريخية وأخلاقية بالغة الأهمية: التمهيد الذهني لتصديق الحقيقة حين انكشفت.
ساهمت رواية «يسمعون حسيسها» في إيصال صورة عن جزء من أفعال نظام البعث، وفي تشكيل وعي شبابي مبكر بطبيعة الإجرام الممنهج داخل السجون. ومع انكشاف الحقيقة اليوم، لم تسقط الرواية، بل تغيّر موقعها: من نص اتُّهم يوماً بالمبالغة، إلى شهادة أدبية بدت، للأسف، أرحم من الواقع نفسه.
إنها رواية لا تُقاس فقط بقيمتها الفنية، بل بما أحدثته في وعي القراء، وبالدور الذي لعبته في حقبة الصمت. وفي مواجهة حقيقة فاقت اللغة والخيال، يبقى الأدب، مهما بدا غير مثالي، أحد أشكال المقاومة ضد النسيان.