يناير .. عيد الأمازيغ

15 يناير 2026
عيد "يناير" لازال ينبض في ثقافة وتاريخ الأمازيغ (غيتي)
عيد "يناير" لازال ينبض في ثقافة وتاريخ الأمازيغ (غيتي)
atouizinedine4@gmail.com
عطوي زين الدين
تابع الكاتب عبر :

لكل شعب في هذه المعمورة ثقافة وتاريخ، ونخص بالذّكر الشعوب المتوسطية والإفريقية، فهي غنية بالتراث الإنساني الضارب في العمق والمتجذر منذ القدم، و"يناير" عيد الأمازيغ ما هو إلا مثال حي على هذا التراث الإنساني العتيق الذي لايزال ينبض في ثقافة وتاريخ أهله، ونحن الآن بصدد أن نستعرض بعض اللّمحات حول هذا العيد المميز الذي يعتبر مدخلاً للعام الجديد في التقويم الأمازيغي.

"ينار" أو "يناير" ليس مجرد شهر عادي وعابر بالنسبة للشعب الأمازيغي، بل هو بمثابة التّذكرة الراسخة لقوم عاش وعاصر وصاهر عديد الأقوام وصارع ولازال يصارع من أجل أن يثبت وجوده. إن كلمة يناير في الأصل هي مزيج بين كلمتين أمازيغيتين، فكلمة "يان" تعني أول و "يور" تعني الشهر، ومعنى يناير هو "أول الشهر".

من المعروف أن تكون لكل شعب وقوم ثقافة وتاريخ وأرض يقطن فيها ويعمرها من بني جنسه وتراثه ويصنع فيها تقاليده، وهذا كله استجابة للنداء الفطري للوجود، فهذا الأخير لا ينبغي أن يكون منحصراً في الجسمانية فقط بل إنه ينبغي أن يترجم إلى كفاح يصنع التراث والحضارة ويبقي أبنائها ينقشون بصمتهم الذي هو من صلبهم وروحهم.

إذا تكلمنا عن الأمازيغ فنحن بصدد إعطاء نموذج مثالي لشعب لازال يقاوم ليحافظ على تاريخه ولغته رغم كل التغيرات الحضارية التي نشهدها، وما "يناير" إلا تجديد وتذكير بأن الأمازيغ لايزالون على عهد أسلافهم الأوائل، تجديد محفز على العلم والعمل وتذكير مستمر للأجيال الحاضرة والموالية بعبق تاريخ شعبهم الأبي وثمرة كفاحهم. 

تتجلى الأصالة في التراث المحلي المعروف من طعام شهي وألبسة تقليدية، أما البعد الروحي فهو التقرب لله عن طريق الدّعاء بأن تكون سنة مليئة بالفلاح والخير الوفير، ومن العادات النبيلة كذلك تقديم الطعام للفقراء وأصحاب الدخل القليل لتعم الفرحة بين الأفراد، وما يزيد الجو بهجة الأطفال الصغار حين نراهم يطوفون بين الأروقة والأزقة يضحكون ويمرحون بملابسهم الأنيقة التي تفوح عبقاً أمازيغياً.

إن "يناير" بمثابة الصدى الذي يصدح به كل أمازيغي ومغاربي مترجماً إياه إلى حفلات مليئة بالبهجة. يجتمع الأفراد لإقامة وليمة وسط الاحتفالات الممزوجة بالموسيقى الشعبية والأكلات اللّذيذة من أطباق تقليدية شهية (أشهرها الكسكسي) وحلويات من شتى الأنواع، وهناك عادة قديمة تتمثل بأن كل فرد من أفراد الأسرة عليه أن يتناول دجاجة بمفرده لضمان الامتلاء والازدهار طيلة السّنة الجديدة.

إنه عيد شعبي وتذكرة خالدة عن أصل لا يُقتلع ولايزال متشبثاً بجذوره. اعترفت حكومات الدول المغاربية بـ"يناير" كعيد وطني، كانت الجزائر أول دولة في شمال أفريقيا اعترفت به عيدا وطنيا وعطلة رسمية مدفوعة الأجر سنة 2018، تلاها المغرب في 2023. 

تعود احتفالات "يناير" إلى العصور القديمة، والروايات التي تربطها باعتلاء الملك شيشناق لعرش مصر لا توافق الدلائل التاريخية الدقيقة الدالة على قدم هذا الاحتفال أول مرة، كما أن يناير مرتبط بأساطير وقصص شعبية تروى أشهرها قصة المرأة العجوز التي تحدت برود الشتاء وذلك بالخروج وسط الصقيع لرعي ماعزها، وبعد فعلتها هذه قام الشهر بمعاقبتها في اليوم الموالي بموجة برد شديدة رداً على عنادها، ورغم أن هذه القصة تعتبر أسطورة خيالية إلا أنها تعكس قِدم الاعتقاد، هناك أيضاً رواية تقول إن أصل الاحتفال مرتبط ببداية السنة الزراعية الجديدة. 

اليوم امتد الصدى، و اكتسبت السنة الأمازيغية بعدا دولياً لا يقتصر فقط على البلدان الإفريقية والمغاربية، بل يمتد حتى إلى أوروبا وأميركا وكندا ومناطق أخرى، وهذا يدل على اتساع رقعة المجتمع الأمازيغي والاعتراف بالأصالة التاريخية.