قوة الإعلام ..الرسالة أم الوسيلة؟

05 January 2026
pbthdw@gmail.com
ذكرى الشبيلي
تابع الكاتب عبر :

قبل ثورة التقنية التي غيّرت ملامح كثير من مفاهيم التواصل الاجتماعي والمؤسسي، كانت الرسالة تأتي ضمن أطر محددة وتبلغ الفئات المستهدفة بأسلوب متقارب في مفرداته وربما في تأثيره. ومع تطور التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الرسائل أكثر كثافة وأسرع وصولًا، مما انعكس على حجم تأثيرها وقدرتها على إيصال العناصر التي يرغب المرسل في ضمان بلوغها للمتلقي، وقد يمتد هذا الأثر أحيانًا إلى ما هو أبعد من المعنى الحقيقي للرسالة والغاية من إرسالها وحقيقة فهمها. 

سألني أحد الزملاء مؤخرًا: «هل برأيك الوسيلة تحدد مدى تأثير الرسالة أم لا؟» هذا السؤال دفعني للتوقف والتفكير، ثم للكتابة عنه من وجهة نظري كمتخصصة في العلاقات العامة، إيمانًا مني بأن فهم عناصر الاتصال ليس مجرد تنظير، بل أساس يُبنى عليه نجاح الإعلامي في كل خطوة يخطوها. 

عناصر الاتصال معروفة: مرسل، رسالة، وسيلة، مستقبل، إلى جانب الاستجابة ورجع الصدى «التغذية الراجعة». غير أن شائعًا لدى البعض أن الوسيلة هي العنصر الأهم في تحديد قوة الرسالة وتأثيرها، وهو رأي اختلف معه؛ فالوسيلة ليست سوى قناة ناقلة، بينما التأثير الحقيقي بيد المرسل الذي يصوغ الرسالة. فالرسالة التي تُكتب بأسلوب وجداني يلامس المستقبل، ويُعزَّز بمنطق عقلاني متزن، قادرة على إحداث أثر واسع بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة. 

التأثير لا يكمن في التقنية بقدر ما يكمن في الذكاء الاتصالي، وفي كيفية بناء الخطاب وتوجيهه بطريقة تشعر المتلقي بأنه معنيّ بها، أما قياس هذا التأثير، فلا يتم إلا من خلال رجع الصدى أو التغذية الراجعة، أي عبر التفاعل الذي يبديه الجمهور مع الرسالة، سواء كان قبولا، أو نقدًا، أو حتى إثارة نقاشات جديدة. 

من هنا يبرز دور إخصائي العلاقات العامة والإعلاميين عمومًا، إذ لا تقتصر وظيفتهم على صياغة البيانات، بل تمتد إلى إدارة الأزمات وبناء صورة المنشأة أو الفرد عبر رسائل محكمة، دقيقة، ومؤثرة. ويُقاس نجاحهم بمدى تجاوب الناس، لا بعدد مرات ظهور الرسائل على الشاشات أو الصفحات. 

باختصار، قد تتغير الوسيلة من عصر لآخر، لكن جوهر التأثير سيظل مرهونًا برسالة صادقة صيغت بعناية، وبمرسل واعٍ يعرف كيف يمس وجدان المستقبلين قبل عقولهم، وهو ما يجعل الإعلام قوة لا يُستهان بها متى ما استُخدم بذكاء ومسؤولية.