حين لا تكون العين مريضة
أحيانًا تغدو الأشياء باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن، كان هذا رأي الرسّام الهولندي فنسنت فان غوخ، لكنه على عكس ما قد يبدو، لم يستسلم لهذه البرودة، بل حاول أن يواجهها، فابتكر خطوطًا وألوانًا جديدة غير تلك التي يتعثر بها بصرنا كل يوم.
لطالما شعر فان غوخ أن الألوان القديمة تحمل بريقًا حزينًا في قلبه، وكان يتساءل بقلقٍ صادق: «هل هي كذلك في الطبيعة؟ أم أن عينيّ مريضتان؟
يرتبط اسم فان غوخ، لدى كثيرين، بحادثة قطعه لأذنه؛ تلك الواقعة التي تحوّلت مع الوقت إلى اختصارٍ قاسٍ لحياته، كأن الرجل لم يكن سوى اضطرابٍ نفسيٍّ انتهى بلوحة، غير أن النظر إليه من هذه الزاوية وحدها لا يظلمه فقط، بل يحرمنا من الاقتراب من جوهر تجربته الفنية والإنسانية.
في رسالة كتبها إلى شقيقه ثيو عام 1874، يقول: "أحبّ المشي كثيرا وأعشق الطبيعة، وهذا هو الطريق الحقيقي لكي نتعلّم كيف نفهم الفنّ بشكل أفضل، الرسّامون يفهمون الطبيعة ويحبّونها، وهي تعلّمهم كيف يرون العالم". تكشف هذه الجملة أن فان غوخ لم يكن يهرب من الواقع، بل كان يبحث عن طريقة أخرى لرؤيته؛ طريقة أقل صخبا، وأكثر إنصاتا.
في زمنٍ كانت فيه الحداثة الصناعية تغيّر ملامح العالم بعنف، شعر كثير من الرسّامين بالاختناق داخل المدن المتسارعة، فراحوا يبحثون عن أماكن تشبه الفردوس الأرضي، حيث يمكن مراقبة الطبيعة مباشرة؛ لا بوصفها مشهدا عابرا، بل تجربة نفسية وروحية كاملة.
من نافذة غرفته في مصحّ سان ريمي بفرنسا، كتب فان غوخ إلى شقيقه:"هذا اليوم، راقبت الصباح من نافذتي قبل أن تشرق الشمس بوقت طويل، لم يكن هناك شيء باستثناء نجمة الصباح، التي بدت كبيرة ومتوهّجة". كان يصف اللحظة التي ستُلهمه رسم تحفته الأشهر «سماء مرصّعة بالنجوم» (1889).
في هذه اللوحة لم تكن السماء خلفية، بل حضورا طاغيا، شغلت ثلاثة أرباع المساحة، وكانت مضطربةً، متموّجةً، كأنها محيطٌ كونيٌّ من الضوء والحركة، النجوم لا تلمع فحسب، بل تدور وتنبض، وتفرض وجودها على العين، إلى أقصى اليمين يظهر هلال وإلى يسار الوسط نجمة الصباح، محاطة بهالاتٍ ضوئية بيضاء وصفراء.
أسفل هذا الاضطراب السماوي، تنام قرية صغيرة، هادئة، ببيوتٍ متواضعة وكنيسةٍ يرتفع برجها في صمت، قريةٌ مطمئنة، كأنها لا تعلم شيئًا عمّا يدور فوقها، أو لعلها تعلم وتختار الصمت. وفي المقدّمة، تقف شجرة سرو عملاقة، داكنة، تشبه ألسنة اللهب، تمتد من الأرض إلى السماء، كأنها خيطٌ بصريّ يربط بين عالمين، رمزيًا، يمكن النظر إلى السرو كجسرٍ بين الحياة والموت، بين الأرض والسماء، بين الإنسان ومصيره.
كان فان غوخ يرى أن الليل أكثر حيويةً وأغنى بالألوان من النهار. الليل بالنسبة له، لم يكن ظلمةً، بل مساحة للكشف؛ مكانًا ترى فيه الروح ما يعجز العقل عن ترتيبه في وضح النهار.
في واحدةٍ من رسائله الأخيرة، كتب فان غوخ:" للأشياء القبيحة خصوصية فنية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة، وعين الفنان لا تخطئ ذلك".
ربما لهذا رأى جمالًا خاصا فيما يتجاوزه الآخرون سريعا، وأنا أيضا أرى في لوحاته جمالًا أخّاذا حقيقيا؛ أرى فيها رحلة الإنسان، ومعاناته وآلامه، أرى جمال الكفاح والنبل من أجل أوطان، ومن أجل من نحب، أرى عرق اليأس والمرارة، وكذلك عرق النجاح على قارعة الطريق. فهل نراه لأننا نريد أن نراه؟ أم لأن الفن، أحيانا يكشف ما نحاول تجاهله؟
ربما لم يكن فان غوخ مجنونًا كما نحب أن نعتقد، ربما كان فقط يرى أكثر مما نحتمل، ويحاول أن يمنح هذا الفائض شكلًا يمكن احتماله، حتى لو لم يحتمله هو نفسه.