سوريا من الركام إلى الإعمار
بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب، وما حملته من تهجير ودمار وخراب في كل زاوية من سوريا، يعود السوريون اليوم بخطوات مترددة لكنها محمّلة بالأمل. مشهد العودة هذا لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل كتحوّل عميق يعيد رسم ملامح سوريا الجديدة، بلد ينهض من رماده كما لو كان يرفض أن يبقى أسيراً لصورة الحرب التي التصقت به طوال سنوات.
منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، سجّلت المفوضية الأممية السامية لشؤون اللاجئين عودة نحو مليون لاجئ إلى سوريا خلال أشهر قليلة، إضافة إلى 1.8 مليون نازح داخلي عادوا إلى مدنهم وقراهم. هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تعني أن الأزمة انتهت، فهناك أكثر من 7 ملايين سوري ما زالوا في نزوح داخلي، و4.5 ملايين لاجئ يعيشون خارج البلاد. ومع ذلك، يبقى لافتًا أن 80% من اللاجئين في دول الجوار يقولون إنهم يريدون العودة يومًا ما، فيما يخطط 18% للعودة خلال 2026.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات؛ إنها تعبير عن حنين، وعن إحساس بأن المكان مهما تصدّع يظل أوسع من الغربة. العودة إلى سوريا ليست قراراً سهلاً، إنها مواجهة مباشرة مع الألم، كل بيت يعود إليه أصحابه يحمل ذاكرتين: ذاكرة ما كان، وذاكرة ما تهدّم. ومع ذلك، فإنّ السوريين لا يعودون فقط ليستعيدوا منازلهم، بل ليعيدوا اكتشاف أنفسهم وقدرتهم على البدء من الصفر. الحرب تركت البلاد مثقلة بالدمار، والبنى التحتية بحاجة إلى ترميم كامل، والاقتصاد في حالة إنهاك، ومع ذلك، فإن دوافع العودة لدى كثير من السوريين تتجاوز منطق الجدوى لتلامس معنى الكرامة والبقاء.
في المدن السورية، من دمشق إلى حلب، تبدو أصوات الآلات وورش البناء كأنها إعلان صامت بأن الحياة تعود. الشوارع التي كانت ساحات قتال تحاول الآن أن تستعيد دورها الطبيعي، والمحال الصغيرة التي أغلقت سنوات طويلة تعود تدريجيًا لفتح أبوابها. ما يجري في حلب تحديدًا يعكس هذا التحوّل بوضوح؛ مدينة نهكتها الحرب، لكنها تستعيد نبضها على يد سكانها الذين يرمّمون حجراً بعد حجر، ويحوّلون الأنقاض إلى أساسات حياة جديدة.
ورغم شحّ الموارد وتراجع الاقتصاد، تنتشر الورش الصغيرة في الأزقة: نجارة، حدادة، إصلاح كهرباء، ومشاريع تجارية متواضعة تفتح أبوابها لتعيد الحركة إلى الأسواق. هذه التفاصيل التي تبدو بسيطة تشكل، في الحقيقة، جوهر عملية التعافي. فالإعمار ليس بياناً سياسياً ولا مشروعاً اقتصادياً عملاقاً بقدر ما هو سلسلة أفعال يومية صغيرة يقوم بها أفراد حوّلوا التجربة المريرة إلى قوة دفع.
هذا المعنى عبّرت عنه وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، حين قالت إن عودة أكثر من مليون لاجئ تشكّل علامة فارقة في مسار التعافي، وإن الأولوية اليوم هي تأمين عودة آمنة للملايين من المهجّرين وتركيز الجهود على المشاريع الخدمية الأساسية. لكن اللافت كان تأكيدها أن "إعادة الإعمار ليست عملاً سياسياً، بل ضرورة إنسانية"، وهي جملة تختصر واقع سوريا اليوم: بلد لا يبحث عن ترف السياسة، بل عن استعادة القدرة على الحياة.
في المقابل يطلب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من المجتمع الدولي الإسراع في دعم سوريا، محذّراً من أن تأخير الإعمار قد يترك آثاراً كارثية على استقرار المنطقة. هذه الدعوة، وإن بدت تقنية، تحمل بُعداً إنسانياً وسياسياً شديد الحساسية. فإعادة بناء سوريا ليست مسؤولية السوريين وحدهم لأن الحرب لم تكن شأناً داخلياً فحسب، بل كانت ساحة صراع دولي مفتوح.
مهما كان حجم الدعم الخارجي، فإن الحقيقة الأكثر رسوخاً هي قدرة السوريين أنفسهم على إعادة بناء حياتهم. في سنوات اللجوء، حين ضاقت سبل العيش، فتحوا مطاعم صغيرة، ومشاغل للحرف اليدوية، ومحال متواضعة، وصنعوا اقتصاداً صغيراً في المنافي. اليوم يعيد كثير منهم تلك الخبرات إلى الداخل. العودة هنا تتحول من مجرد عودة أفراد إلى عودة تجارب وقدرات ومهارات.
غير أن العودة رغم رمزيتها، ليست سهلة. كثير من العائدين يواجهون صعوبات كبيرة في تأمين السكن أو ترميم ما تهدّم، كما يحتاجون إلى تسهيلات وقروض ودعم فعلي ليتمكنوا من بدء مشاريع صغيرة. هنا تبرز الحاجة إلى مبادرات حكومية جادة لا تقتصر على الخطابات، بل تتجسد في إعفاءات ضريبية، قروض ميسّرة، دعم للمشاريع الصغيرة، وتخفيف التعقيدات الإدارية. فحين تتضافر الجهود الرسمية مع المبادرات الفردية، يصبح الاستقرار هدفاً قابلاً للتحقق.
الأكيد أن عودة اللاجئين ليست حدثاً اقتصادياً فحسب، بل حدثا ذي أبعاد اجتماعية وسياسية. كل عائلة تعود إلى حيّها تكتب سطراً جديداً في قصة تعافي البلد، وكل مشروع صغير يُفتح هو إعلان بأن عجلة الحياة تتحرك، وأن المستقبل يُبنى من الأسفل؛ من تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو بسيطة لكنها الأكثر تأثيراً.
سوريا اليوم لا تعود إلى ما كانت عليه، وربما لن تعود قريباً. آثار الحرب ستبقى حاضرة. لكن هناك ما هو أهم: حركة الحياة التي بدأت بالفعل، والإصرار الذي يظهر في كل ورشة، وكل بيت يُرمّم، وكل عائلة تستقر. إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ من الأبنية ولا من الطرق، بل من الإرادة. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل بالثقة. وما يحدث اليوم هو محاولة لاستعادة هذه الثقة، بين الناس ووطنهم، وبين سوريا ومستقبلها.
عودة السوريين، رغم الألم، هي بداية لمرحلة جديدة، وربما تكون أكثر عمقاً ومعنى من كل ما سبق. وطن يُعاد بناؤه بسواعد أبنائه هو وطن يصعب تهديمه من جديد. وربما أجمل ما في هذه العودة أنها تعيد تعريف الإعمار لا كبناء جدران، بل كترميم للروح واستعادة لمعنى الانتماء.