كيف تصنع أمريكا صورة العدو
منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، سلكت إريتريا طريقا مختلفا عن معظم دول إفريقيا. انتهجت سياسة سيادية صارمة، واستقلالا اقتصاديا نسبيا، ورفضت الارتهان للمساعدات الأجنبية أو التبعية لمحاور النفوذ الدولي. غير أن هذا الطريق لم يكن بلا ثمن؛ إذ وجدت نفسها هدفا لحملات إعلامية ودبلوماسية مكثفة، أسهمت الولايات المتحدة بدور رئيسي في صناعتها وتوجيهها.
طوال العقدين الماضيين، لم تتردد واشنطن في استخدام أدوات "القوة الناعمة" لرسم صورة قاتمة لإريتريا أمام الرأي العام العالمي، باعتبارها "ديكتاتورية مغلقة" و"كوريا الشمالية الإفريقية". هذا التشبيه، الذي شاع في الإعلام الغربي، لم يكن اعتباطيا، بل جاء ضمن استراتيجية مدروسة لعزل أسمرا دوليا، وتهيئة الرأي العام لتقبل أي ضغوط أو عقوبات قد تفرض عليها.
بدأت الحرب الناعمة ضد إريتريا من عناوين الصحف والشاشات. فقد ساهمت شبكة CNN، وصحيفة New York Times، ومراكز أبحاث مثل Brookings وChatham House، في تسويق سردية واحدة مفادها أن النظام الإرتري استبدادي، ويمارس تجنيدا قسريا مفتوحا، ويقيد الحريات، ويقمع شعبه.
ورغم أن معظم هذه الاتهامات لم تثبت أمام أي هيئة دولية محايدة، فإنها انتقلت من الإعلام إلى التقارير الرسمية، ثم إلى قرارات دولية وأممية، وهو ما يعكس فاعلية هذه الأدوات في تشكيل السياسات، لا مجرد التأثير في الرأي العام.
ومن أبرز أدوات صناعة الصورة الأمريكية توظيف منظمات حقوق الإنسان الدولية. إذ غالبا ما تستند تقارير منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش"، ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، إلى روايات معارضين يعيشون في الغرب، دون تمحيص ميداني أو تحقيق مستقل. وفي المقابل، لا تحظى الرواية الرسمية الإريترية بأي مساحة تُذكر في الإعلام الدولي، وكأن الحقائق لا يُعتد بها إلا إذا صدرت من واشنطن أو حلفائها.
وفي السنوات الأخيرة، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة مواجهة جديدة. منصات ممولة غربيا، وحسابات إلكترونية مجهولة، تتبنى خطابا موحدا عن "الرعب داخل إريتريا" و"المجازر في تيغراي"، غالبا دون أدلة حاسمة، بل أحيانا قبل أي تحقيق دولي. في المقابل، يُمارس تقييد واضح على الأصوات المدافعة عن الحكومة الإريترية، أو حتى تلك التي تطالب بتحقيقات عادلة ومتوازنة، ما يبرز اختلال ميزان السردية العالمية.
ولم تكتف واشنطن بتوجيه الاتهامات، بل دعمتها بفرض عقوبات اقتصادية على مسؤولين إرتريين، تحت ذرائع مثل "زعزعة استقرار القرن الإفريقي" أو "دعم الحرب في إثيوبيا". وهذه العقوبات لم تصدر عن محاكم دولية، بل فُرضت بقرارات سياسية أحادية الجانب، ما يضعها في خانة العقاب السياسي لا العدالة القانونية.
ولا يعني الدفاع عن إريتريا تبرئة سياساتها من الأخطاء أو تجاهل التحديات الداخلية، لكن من حق أي دولة – مهما كانت صغيرة أو مستقلة – أن تُعرض روايتها على العالم، وأن يُمنح شعبها فرصة التعبير عن وجهة نظره دون وصاية أو تشويه.
إن ما تتعرض له إريتريا ليس مجرد حملة إعلامية عابرة، بل نموذج واضح لكيف تصنع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، صورة "العدو"، وتُهيئ الرأي العام لتبرير محاصرته أو إخضاعه.
وفي زمن الأخبار السريعة، تبقى الحقيقة بحاجة إلى من ينفض عنها غبار التلاعب والانتقائية. وقد آن الأوان لسماع جميع الأصوات، لا فقط تلك التي تمر عبر بوابات واشنطن.