قراءة في أسرار التميز المعرفي
إن نقطة تحوّل المجتمعات الراقية والمتقدمة في جميع المجالات هي المعرفة. بل إن مجرد الوصول إلى قناعة جوهرية بأن المعرفة هي مفتاح التقدم والازدهار والنجاح يُعد نقلة مهمة بحد ذاته. فعندما نتحدث عن شخص ما وعن الصفات التي يتميز بها عن الآخرين، فإننا بالتأكيد نبحث في سلوكه أو أخلاقه أو منصبه أو مجال تعليمه. كذلك تمثل المعرفة إحدى الصفات الجيدة والمتقدمة لدى الإنسان، ومن خلالها نستطيع قياس ما إذا كان هذا الشخص يجدر بنا التعامل معه أم لا.
إذا كان الغذاء هو المورد الذي يقوي جسم الإنسان وبنيته، فإن المعرفة تشكل غذاء العقل. وكما ذكر كاتب أسرار التميز المعرفي:
"يرتبط الإنسان بالمعرفة ارتباطا وجوديا بوصفها غذاء لعقله، في مقابل الطعام لجسمه".
كنت قد كتبت قراءات سابقة عن مقالات الأستاذ أحمد بابكر حمدان حول تعزيز الأنشطة ونموذج "آسك"، ووجدت أن هناك روابط مستمرة بين سلسلة مقالاته، إذ تركز جميعها على فكرة الاهتمام بالمعرفة وبناء المجتمع المعرفي. وفي هذه السطور أقدم قراءة في مقاله "أسرار التميز المعرفي".
على الصعيد الشخصي، كانت دورات نموذج "آسك" المحور الأساسي في نقلتي المعرفية، وفي تعميق ارتباطي بالتعلم، كما أسهمت في تكوين صداقات واسعة وبناء فريق مهتم بالمعرفة والتعلم. ويمكنني القول إن مقال "أسرار التميز المعرفي" جاء مكملا لفكرة تعزيز الأنشطة عبر نموذج "آسك". لم تكن لدي سابقا معلومات كافية عن كيفية التواصل مع الأجيال الماضية، لكن المعرفة اليوم أصبحت الجسر الرابط بين الحاضر والماضي، وصار الوصول إلى تلك الأجيال أقرب وأسهل عبر التعلم، مما يؤكد ضرورة استمرارية المعرفة والتعلم.
قال الكاتب في مقال أسرار التميز المعرفي:
"إن النقلة المؤثرة في مسار المتعلم قد تكون في تبنيه جملة أفكار ومفاهيم فعالة عن المعرفة والتعلم، وهذا ما نطلق عليه التأسيس المعرفي. إن المعرفة تعكس جوهر أفكارك، والتعلم يعكس نتائج أفكارك".
كنت من أوائل متدربي نموذج "آسك"، الذي يتضمن مصفوفة الأنشطة الأربعة، وفي مقدمتها المعرفة، ومن هنا كانت انطلاقتي الجوهرية في عالم المعرفة. فقد كانت المعرفة في السابق مجرد مصطلحات يتداولها الناس، حتى جاء هذا النموذج ليغير المفهوم عبر آلية الأنشطة الأربعة وتكاملها وارتباطها بالبيئة والمكان.
ويقول الكاتب:
"في المدن الكبيرة تتسع فرص التعلم والنمو المعرفي والإبداع المهني، بعكس المدن الصغيرة والأرياف".
وبحسب تجربتي، أجد هذه المقولة منطقية؛ فالمعرفة في المدن الصغيرة والأرياف غالبا ما تكون محدودة، ونجد فيها عددا قليلا جدا من المبدعين، مما يجعل عملية التفكير خارج الإطار التقليدي شبه معدومة.
استفدت من نموذج "آسك" في نقل المعرفة إلى شكلها الجديد، حيث كشف لنا العلاقة بين "الأنشطة الجارية" لدى الطلاب ودورها المهم في المجتمع، أي ضمن نطاق العمل. وقد شكّل ذلك رابطا بين الأنشطة ومجالات العمل، واهتم بتحويل الأنشطة إلى مجالات عملية من خلال اكتشاف ميول الطلاب وتفضيلاتهم الدراسية والمهنية.
إن كثيرا من الطلاب يتبعون الطريقة التقليدية في التعلم، القائمة على الاعتماد على اختيارات الأسرة وتركيزها على مجالات ليست ضمن دائرة اهتمام الطالب، دون الالتفات إلى ميوله أو هواياته. وهذا ما يصنع حاجزا بين الطلاب وأسرهم، ويسبب فشلا في العديد من الحالات والمجالات.
وإذا وضعنا حجر الأساس لمشروعاتنا المعرفية بثقة، فإننا نستطيع الوصول إلى مجال مهني ناجح ومميز، ونكوّن مخزونا كبيرا من المعرفة، ونكتسب العديد من الخبرات، ولا سيما في حل المشكلات.
أعتقد أن انفصال دائرة الاهتمام عن المجال المهني يشكل حجر عثرة أمام النجاح، لأنهما وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن الفصل بينهما. ومن خلال البحث الجيد واتباع الإرشادات المعرفية، نستطيع بسهولة اختيار دوائر اهتمامنا. فالاهتمام بالأنشطة التي نحبها ونهوى ممارستها يمنحنا دافعا للبحث والتعمق في المجال، والوصول إلى كم هائل من المعرفة، واكتشاف أبرز عوامل النجاح فيه، لأن وقود المعرفة هو الاهتمام.
وعندما نعمل على تعزيز المعرفة والتعلم كفريق، نستطيع الوصول إلى منصات أوسع للتواصل الفعال، وصنع مزيد من فرص إتاحة التعلم والمعرفة. وعادة ما تسهم فرق المعرفة في تعزيز نجاح المتعلم، إذ تمثل بيئة للتواصل، وتبادل التجارب والأفكار، والإسهام المعرفي المشترك.
وأخيرا، أرى أن الكتابة تمثل الجسر المتين الذي يصل بين الفرد ومجاله المهني أو العلمي، فهي تحسن مستوى التعلم والمعرفة، وتساعد على الوصول إلى مستوى احترافي، كما تمنح الكاتب فرصة لفهم مدى استيعابه للمجال، وتزيد من فرص النجاح في مختلف مجالات المعرفة.