الانترنت في سوريا.. سعر مرتفع وخدمةضعيفة
لم يعد الإنترنت ترفًا ولا خدمة إضافية يمكن الاستغناء عنها. هو اليوم جزء أساسي من دورة الحياة اليومية: عمل، تعليم، تواصل، وحتى أبسط الإجراءات الحكومية أصبحت مرتبطة بهذه الشبكة. ورغم ذلك، يبقى المستخدم السوري أمام معادلة متعبة، ارتفاع أسعار باقات الإنترنت والاتصال لدى شركتي MTN وSyriatel مقابل جودة خدمة لا تتطور بالسرعة أو المستوى المتوقع.
في الآونة الأخيرة طرحت شركتا الاتصالات في سوريا باقات جديدة أثارت استياء واسعًا لدى المواطنين بسبب ارتفاع قيمتها التي تجاوزت 100%. الأمر دعا مواطنين لمقاطعة الشركتين. وبحسب قائمة أسعار نشرتها Syriatel لعروضها الجديدة، فقد وصلت كلفة باقة الاستهلاك العالي لأكثر من 300 ألف ليرة سورية، بعد أن كانت نحو 150 ألف ليرة. وبحسب مواطنين وصفوا الأسعار الجديدة بأنها جريمة بحق المواطن، واعتبروها عبئًا إضافيًا لا يناسب دخل معظم السوريين، في وقت ما تزال فيه رواتب الموظفين والعاملين ضعيفة، إذ لم يتجاوز الحد الأدنى للأجور في سوريا مليون ليرة سورية، بينما ارتفعت رواتب الموظفين الحكوميين إلى نحو 100 دولار أميركي بعد الزيادة الأخيرة، مطالبين بتخفيضها ورفع جودتها، بناءً على الوعود التي أطلقها وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل.
وعقب تكليفه بالحقيبة الوزارية في أيار الماضي، قال وزير الاتصالات والتقانة السوري عبد السلام هيكل بحسب "تلفزيون سوريا"، "إن أولوية الوزارة في المرحلة القادمة هي حل شكاوى المواطنين، والسعي لإعادة تفعيل هذا القطاع بشكل عام". ويتابع "هيكل": إن الاجتماعات الأولى في الوزارة تستهدف الإسراع في معالجة شكاوى المواطنين بأسرع وقت ممكن، ضمن الظروف المتاحة"، وأشار الوزير" إلى: "أن البنية التحتية متضررة بشكل كبير، وهناك انقطاعات واسعة في عموم البلاد، إضافة إلى غياب التطور الذي شهده العالم خلال السنوات الأربع عشرة الماضية، وعدم مواكبة سوريا له، حيث كان تطوير تقنيات البلاد متوقفاً".
وفق هيكل "كل هذه الأمور تشكل تحديات، وقضية العقوبات تُعد تحدياً كبيراً وتشكل عائقاً أمام تطوير البنية التحتية ونجاح بعض مشاريع التطوير". لكن الزيادات المتتالية في أسعار باقات الإنترنت أصبحت حديث الناس، ليس فقط بسبب عبئها المالي، بل لأنها تأتي في وقت يزداد فيه اعتماد المجتمع على الإنترنت مع تقلّص البدائل.
حين ترتفع الأسعار في سوق يضم شركتين أساسيتين فقط، يشعر المستهلك بأن مساحة الاختيار تكاد تكون منعدمة. والنتيجة هي شعور عام بالضغط وعدم القدرة على التأقلم مع تكاليف تتصاعد بينما الدخل يبقى على حاله. من منظور اقتصادي، يمكن تفهّم أن الشركات تواجه تكاليف تشغيلية مرتفعة، سواء بسبب متطلبات صيانة الشبكات أو استيراد التجهيزات أو تقلبات الأسعار عالميًا. لكن المستهلك العادي لا يرى سوى الفاتورة النهائية، ولا يسمع سوى مبررات متكررة عن الظروف الصعبة. وبين الشرح النظري ومعاناة الاستخدام اليومي، تتكون فجوة ثقة آخذة بالاتساع. الناس يريدون خدمة مستقرة وسرعات مقبولة وبأسعار معقولة، وهذا ليس طلبًا تعجيزيًا، وحتى إن قبلنا بأن ارتفاع التكاليف أمر واقع، فإن غياب الشفافية يزيد الوضع سوءًا.
المستهلك لم يتلقَّ حتى الآن تفسيرًا تفصيليًا يشرح كيف تُحسَب الأسعار، وما حجم التحسينات التي أجرتها الشركات على البنية التحتية، أو كيف انعكست التكاليف على جودة الخدمة. في عالم الاتصالات، الثقة تُبنى على المكاشفة، وعلى وجود قنوات تواصل رسمية تشرح وتوضح وتستمع. من المهم أيضًا التذكير بأن قطاع الاتصالات ليس كغيره من القطاعات. هو قطاع ذو طبيعة احتكارية أو شبه احتكارية، ما يعني أن المنافسة، التي يفترض بها أن تضبط الأسعار وتحسن الجودة، تكون محدودة جدًا. هنا يظهر الدور المفترض للجهات الناظمة من خلال وضع حدود واضحة لأي زيادة، مراقبة جودة الخدمة، وفرض معايير تضمن ألا يتحمل المستخدم العبء الأكبر دون مقابل ملموس. ولا يمكن تجاهل أن ارتفاع أسعار الإنترنت لا ينعكس فقط على الأفراد، بل يطال الاقتصاد كله.
أصحاب الأعمال الصغيرة، الطلاب، العاملون عن بُعد، جميعهم يعتمدون على اتصال مقبول ليتمكنوا من أداء أعمالهم. رفع الأسعار بلا تحسين للجودة يعني، ببساطة، إبطاء حركة الإنتاج والمعرفة. وهذا أمر لا يمكن لأي دولة أو مجتمع تحمّله في زمن الرقمنة. ما يحتاجه السوق اليوم ليس مجرد إعادة تسعير، بل إعادة تفكير. يجب أن تعلن الشركات خططًا حقيقية لتطوير الشبكات، مع جداول زمنية واضحة. يجب أن تكون هناك بدائل أو عروض جديدة تخفف العبء، كحزم مرنة، أو أسعار مخفّضة لبعض الشرائح، أو باقات ليلية منخفضة التكلفة، أو زيادة حجم البيانات مقابل القيمة المدفوعة. والأهم، أن تكون هناك رقابة مستقلة تضمن عدالة المعادلة بين المستهلك ومقدم الخدمة.
ختامًا، ليس الهدف مهاجمة الشركات ولا تبرير الغلاء. الهدف هو الدعوة إلى علاقة أكثر توازنًا بين الطرفين. المستخدم السوري يستحق خدمة إنترنت واتصال تليق باحتياجاته اليومية، وبسعر يراعي واقعه الاقتصادي. والأسواق الصحية تُبنى حين يشعر العميل بأنه محترم، ومسموع، وأن ما يدفعه يعود إليه خدمة وجودة ملموسة. ارتفاع الأسعار قد يكون واقعًا صعبًا، لكن يمكن إدارته بشفافية، وبقرارات جريئة، وبمبادرات تخفف العبء عن الناس بدل أن تضيف إليه. الكرة الآن في ملعب الشركات والجهات الناظمة والمستهلك بانتظار خطوات تثبت أن مصلحته ليست مجرد بند ثانوي في جدول الحسابات.