الإدارة الذاتية بين تراكم الفشـل وغياب التغيير
عمل كلٌّ من إنجلز وماركس ضمن الديالكتيك المادي على إعادة صياغة قانون يقول إن التراكم الكمي يؤدي إلى تغيير نوعي، والذي كان لدى هيغل أساساً في جدله المثالي، لكنهما منحاه بعده الواقعي، بوصفه المحرك الأساسي لتطور المجتمعات والاقتصاد في إطار الجدلية المادية. فالمجتمع، في نظرهما يتطور وفق قوانين موضوعية تشبه قوانين الطبيعة، يمكن دراستها وفهمها علمياً.
من أبرز هذه القوانين أن التغيرات الصغيرة "الكمية" داخل أي نظام اجتماعي تتراكم تدريجياً حتى تبلغ لحظة لا يعود فيها النظام قادراً على الاستمرار في شكله القديم، فيتحول إلى نظام جديد بتغيره نوعياً. وبإسقاط هذا القانون على تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، نجد أن الواقع يسير في اتجاهٍ معكوس، فخلال أكثر من 14 عاما تراكمت البُنى والمؤسسات والمجالس والأحزاب والمنظمات ظاهريا في صورة توسع إداري وتنظيمي لكنها لم تُنتج تحولاً نوعياً في البنية السياسية أو العسكرية، الاقتصادية أو الخدمية.
ما يبدو وكأنه حركة وإدارة وتطور، لم يكن في الحقيقة سوى تراكم كمي داخل دائرة مغلقة، يعيد فيها هذا النظام إنتاج نفسه باستمرار دون قفزات نوعية أو انتقالات حقيقية. فالتحولات الشكلية في هيكلية الحكم والتقسيمات الإدارية لم تمسّ جوهر الأزمة، بل أعادت صياغته في قوالب جديدة، حتى باتت البنية تتجه نحو التحلل التدريجي بدل التحول النوعي.
هذا ما أشار إليه القائد الكردي عبد الله أوجالان في عدد من رسائله إلى قيادة حزب العمال الكردستاني، منتقداً هذا الواقع المؤدي للدوران ضمن الدائرة المغلقة نفسها، حيث تُستهلك المفاهيم الثورية في إدارة الأزمة لا في تجاوزها. ليتحوّل التراكم الكمي للفشل في هذه التجربة إلى ما يمكن تسميته بالانسداد التاريخي، وهو المفهوم الذي استخدمه العديد من المنظريّن وأوجالان أيضاً للإشارة إلى المرحلة التي تبلغ فيها التناقضات ذروتها دون أن تنتج انفجاراً أو تغييراً نوعياً.
البنية الإدارية لشمال وشرق سوريا وصلت إلى حالة تناقض متكامل، لكنها لم تخلق فعلاً تاريخياً يغيّر المسار، بل ولّدت استقراراً هشّاً يقوم على إدارة الفشل والمراوحة في الوسط. ويرجع ذلك إلى غياب العناصر التي اعتبرها ماركس شرطاً أساسياً للتحول النوعي: الفاعل التاريخي الواعي القادر على تحويل التناقض إلى طاقة تغيير. الوعي الجمعي بالأزمة وبأصلها البنيوي. الاستقلال السياسي والاقتصادي الذي يسمح بإنتاج بدائل حقيقية.
الإدارة الذاتية، في جانب كبير منها، ما تزال مرتهنة لتوازنات سياسية خارجية تتجاوز إرادتها المباشرة. فالاعتماد المستمر على المعادلات الإقليميمية، خصوصاً ما يتصل بمفاوضات السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية ممثلةً بقطبيها الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية، جعل مصير شمال وشرق سوريا "روجآفا" مرتبطاً بعوامل خارجية أكثر من كونه نابعاً من ديناميات داخلية. هذا الارتباط العميق بالعامل الإقليمي والدولي جعل التراكم الكمي المحلي عاجزاً عن توليد تحول نوعي مستقل، فزادت حالة الركود وعمّقها انتظار الحل من الخارج.
إنّ القاعدة الماركسية في جوهرها ما تزال صحيحة: فكل تراكم كمي يحمل إمكان التحول النوعي، لكن بشرط وجود الوعي والتنظيم والإرادة التاريخية. أما حين يغيب الوعي ويتعطل التنظيم، ويتحوّل التناقض إلى طاقة راكدة، فإن التراكم لا ينتج ثورة ولا تطورا، بل جمودا متسارعا، وتتحول الأزمة من حالة مؤقتة إلى نظامٍ لإدارة العجز.
وهكذا، فإن تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية تقدّم نموذجا فريدا على التراكم الكمي السلبي الذي لم يُنتج تحولًا نوعيًا، بل تحلّلًا تدريجيًا في البنية السياسية والاجتماعية. لقد أصبح الفشل نفسه هو التغير النوعي الجديد، أي تحول النظام من مشروع للتحرر إلى منظومة لإعادة إنتاج ذاته عبر أزماته.