حضرة القائد

06 نوفمبر 2025
برنشتاين يقود أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية (غيتي)
برنشتاين يقود أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية (غيتي)
joseph27mrad@gmail.com
جوزيف مراد
تابع الكاتب عبر :

تَعَلَّقتُ كما كل الصغار في طفولتي بلعبةِ الحرب .أُرَتِّبُ الجنود والمعدات العسكريّة وأرصِفُ المتاريسَ مخَطّطاً لمعارك وهمية أسرارها في ذهني وقيادةُ أركانها أصابعي، وأصواتُ المعركةِ أوتارُ صوتي وحُنجرتي. كنتُ أنا القائد أما الآنَ فقد أصبَحتُ قائداً لأوركسترا موسيقية تُصدِرُ بَدَلَ الرصاصِ ألحانَ العذوبَة والجمال .

في عالمٍ تتشابك فيه الأصوات وتتعانق الألحان، يبرز المايسترو كقائدٍ مهيبٍ يحوّل الصمت إلى سيمفونية. إنه ليس مجرد قائد أوركسترا، بل هو روح الموسيقى الحيّة، الذي يتولى توجيه كل آلةٍ لتؤدّي دورها في تناغمٍ مدهش. على منصّته يقف، ملوّحا بعصاه الدقيقة، فينصاع له الإيقاع كما ينصاع البحر لنسيم الفجر.

المايسترو يُدَرِّسُ ويُشرفُ على التمارين ويعطي ذَوقَهُ في أداء المقطوعة وسرعتها وأسلوبِ التناغم ما بينَ الآلات الموسيقية وكيفية إيصالها إلى المستمع أو المتلقيوإبراز التعابيرِ. وهو المسؤول عن تفسير العمل الموسيقي، يدرس النوتة الموسيقية ويقوم بتفسيرها وتشكيلها وفقا لرؤيته الفنية. كما يقود المايسترو الأوركسترا خلال الحفلات الموسيقية، ويوجه الموسيقيين لتحقيق الأداء المطلوب. كذلك ينسق المايسترو بين مختلف الآلات الموسيقية لتحقيق توازن وتجانس في الصوت الموسيقي.

هناك العديد من المايسترو الشهيرين في التاريخ، منهم:

أرتورو توسكانيني: إيطالي قاد أوركسترا ميلانو ونيويورك في أوائل القرن العشرين.

ليونارد برنشتاين: أمريكي قاد أوركسترا نيويورك في منتصف القرن العشرين.

زوبين ميتا: هندي الأصل، قاد أوركسترا لوس أنجلوس الفيلهارمونية.

يُعد المايسترو شخصية محورية في عالم الموسيقى، حيث يقود الأوركسترا الموسيقية ويشكل الصوت الموسيقي. من خلال رؤيته الفنية وتوجيهه الموسيقي، يمكن للمايسترو أن يحول النوتة الموسيقية إلى تجربة موسيقية لا تُنسى.

تاريخ هذا العمل يعود إلى القرن الثامن عشر في إيطاليا، حين ظهر مصطلح Maestro  di cappella  للدلالة على المسؤول عن الموسيقى في الكنائس الملكية. ومن هناك، تطوّر الدور من إدارة الجوقات الدينية إلى قيادة الأوركسترات الضخمة في المسارح الكبرى. ومع القرن التاسع عشر، لمعَت أسماء مثل لودفيغ فان بيتهوفن وفيليكس مندلسون وريتشارد فاغنر الذين جسّدوا روح المايسترو في أبهى صورها، فغدت القيادة الموسيقية فنًّا قائما بذاته.

العصا التي يمسكها المايسترو ليست رمزا فحسب بل أداة تقنية دقيقة. تُعرف بالـ Baguette de direction، ويُستخدم معها مفهوم Gestuelle musicale لوصف حركة اليدين التي تترجم النبض والإيقاع والدينامية  (Dynamique)، فيتواصل القائد مع العازفين دون كلمة واحدة. وفي المعاهد الموسيقية الفرنسية والإيطالية، تُدرّس هذه العلوم تحت اسم  Techniques de direction d’orchestre، حيث يُتعلّم المايسترو كيفية قراءة النوتات، توزيع الجمل الموسيقية  (Phrasé musical)، وضبط التوازن الصوتي (Équilibre sonore).

من المايسترو هيربيرت فون كارايان الذي جعل من برلين عاصمة السيمفونيات، إلى زوبين مهتا الذي حمل الشرق إلى قلب الغرب، يظل المايسترو رمزا للانضباط والجمال، ولحظة التوحّد النادرة بين الإنسان والموسيقى.

وفي ختام المشهد، حين يسود الصمت بعد آخر نغمة، يبقى المايسترو واقفا كالشاعر بعد بيت مدهشٍ من قصيدته. هو يعرف أنّ الموسيقى لا تنتهي عند أخر وتر، بل تبدأ هناك في تلك اللحظة التي يخفق فيها القلب على إيقاع لا يُسمع إلا بالعاطفة.

قيادة الأوركسترا قيادةٌ لا خاسرَ في معاركها بَل ارتقاء ٌ نحو الحضارة والمحبة .