حوار مع رياح بافاريا الجنوبية
لا تسأل عن الرياح، فهي لا تُقبل زائرة، بل تغزو كأميرة تطارد ذكرى ملكية قديمة، تثير الغبار عن تيجان سقطت في قصور الذاكرة. أمس، خرجت أقابلها بكبرياء يليق بي، معطفي الثقيل يعلن التحدي، وأنا أتجول برفقة زميل العمل في شوارع أوغسبورغ حيث يتجمد الزمن في كأس من القهوة الساخنة، بينما النوافذ الباردة تطل كعيون أرستقراطية تراقب الغريب.
الرياح الجنوبية هنا ليست مجرد هواء عابر؛ إنها حوار فاخر مع الغربة، تهمس في أذني بصوت حريري قاس: «من أنت، أيها المغترب الذي يحمل في جيبه رائحة الشرق؟». كل خطوة أخطوها، تشعر بها تقاومني بأناقة، تدفعني إلى الخلف كأنها تختبر صلابة جذوري، هل أنا شجرة زيتون حلبية تود أن تزهر في التربة البافارية، أم مجرد شجرة مثل باقي الأشجار الشرقية التي أتت قبلي إلى هنا، تتخبط بسبب الرياح بين يمين الغرب ويسار الشرق؟ أغمض عيني، فتغريني الريح برائحة حلب، رياح تارة ساخنة كدم التاجر في سوق المدينة، وتارة أخرى عاتية تحمل عبق الغار والقلعة العتيقة، تلامس الجلد بضحكة رجولية وليست ذكورية، تذكرني بأنني ابن أرض لا تقبل الهزيمة.
في بايرن الرياح ملكية قاسية، تحمل رذاذ الثلج الرفيع كلؤلؤ متناثر، تجبرك على إغماض العينين للحظة كي تستعيد صورة من أنت. هي لا تسأل، بل تجيب بثقة أرستقراطية: أنت لست من هنا، لكنك لم تغادر بعد. الرياح تذكرني بسنواتي في حلب، تلك التي انزلقت كشتاء طويل من البرد الذي يخفي بداخله قوة لا تنتهي. تتجمد الجذور الحلبية في التربة الألمانية، لكنها لا تموت؛ بل تزهر بأغصان أكثر كثافة، تشكل صداقات مع من يشبهونها في القوة.
مثلي أنا، من يشاركونني القهوة الساخنة، ويقرون أن الرياح لا تكسر، بل تنحت تماثيل من الذات المهاجرة بمزيج فاخر من الدهاء الحلبي والقوة الغربية، حيث يتحول «الآخر» إلى جزء من «أنا» بأبهى حلة. أفهم أن في هذه الأرض التي شهدت الدمار سابقا ثم النهوض بكبرياء، تتعلم من الرياح أن تكون نضرة دائما. تعطي إشارة للجميع كي لا يخاف أحد منها، ووحدهم أهل الثقة يستمتعون فيها، فهم يجدون أصواتا تشبه صوتك، قد تكون جذورك متجمدة لكنها حية، ثابتة، تثمر أكثر من غيرها، لأنها جذور تعرف قيمة الريح قبل أن تصبح عاصفة.
أدرك تماما أنني لست مجرد ألماني من أصول مهاجرة فقط، فالأصول المهاجرة هنا كثيرة، ولكن معظمهم تساقطت أوراقهم عند أول هبة ريح، لم يثبتوا جذورهم سوى على أنهم هنا، متمايلين على حسب الهوى دون لون أو شخصية، يفتقرون لأدنى أشكال المقاومة، مقاومة الرياح. أما المهاجرين السوريين، يصنعون تاريخا جديدا في كل خطوة، وفي كل نفحة باردة، يزرعون بذورهم في قلب ألمانيا، وأرى كيف تصبح الغربة قصرا يبنوه بأيديهم، حجرا حجرا.
يا من تقرأ الآن، إليك نصيحة مغترب ألماني من أصل سوري، إذا هبت الرياح الجنوبية يوما في وجهك، لا تغلق الباب، افتحه، وادخل في حوارات راقية مختلفة عن حواراتك. فالريح لا تهزم سوى الأشجار المريضة، ذات التعصب الديني والانغلاق البيئي والمتخلفة فكريا. كن ممن يستطيعون ترويض الريح، والتأقلم مع باقي الأشجار لتصبح حليف يملك الجرأة على الاستماع للغير وتقبل الاخر لتثمر معهم.