مواجهة "السمسرة القضائية"

07 يناير 2026
Mecharbelarab@gmail.com
شربل كميل عرب
تابع الكاتب عبر :

إنّ السمسرة القانونية، سواء أكانت عبر وسطاء يتجوّلون بين المراجعين داخل العدلية، أو من خلال أشخاص يدّعون النفوذ لدى قضاة أو محامين، تُشكّل جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات اللبناني بموجب المواد 351 وما يليها التي تجرّم الرشوة واستغلال النفوذ، إذ يُعدّ كل من يعرض أو يقبل منفعة غير مستحقة للتأثير في مسار دعوى أو قرار قضائي مرتكبا جرما جزائيا تاما.
كما يمكن أن تُطبّق أحكام المادة 655 عقوبات (الاحتيال) على من يوهم المتقاضين بقدرته على «تسوية» القضايا مقابل بدل مالي، لما في ذلك من استعمال طرق احتيالية للإضرار بالثقة العامة.

كذلك يحظر قانون تنظيم مهنة المحاماة في مواده 79 إلى 81 على المحامي أن يدفع أو يتقاضى أية عمولة أو مكافأة لقاء إحالة زبون، أو أن يشترك في الأتعاب مع من ليس محاميا. كما تُلزم المادة 95 المحامي بالتصرف بما يحفظ كرامة المهنة وشرفها، ما يجعل أي تعامل مع «سماسرة القضايا» انتهاكا مباشرا لجوهر القسم الذي يؤديه المحامي أمام النقابة والقضاء.

ليست السمسرة مجرد مخالفة قانونية فحسب، بل هي انحراف أخلاقي يضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة. وهي تُنتج طبقة من الوسطاء تقتات من حاجات الناس، وتُسهم في تهميش المحامين الشرفاء الذين يعملون وفق أصول القانون. والأسوأ أن بعض هذه الممارسات تتم بغطاء من صمت رسمي أو تقاعس إداري، ما يفتح الباب أمام ثقافة مريضة مفادها أن العدالة «تُشترى» ولا تُنتزع بالحق.

ومع التقدير الكبير للجهود التي تبذلها النيابات العامة ونقابة المحامين في بيروت في ملاحقة هذه الظواهر ومكافحة السماسرة داخل العدليات، يبقى من الضروري التأكيد على أن محاربة الفساد تبدأ من رأس الهرم، لا من القاع. فليس من العدالة أن يُحاسب الفقير الذي استغل ظرفا ليؤمّن لقمة عيشه أو ثمن دوائه، بينما يُترك أصحاب النفوذ الذين صنعوا بيئة الفساد وشرّعوا له الأبواب في مأمن من المساءلة.

العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين توازن بين الردع والمساواة، بين القانون والرحمة، وبين مبدأ المساءلة ومبدأ الكرامة الإنسانية. أما مكافحة السمسرة فلا تتمّ بالشعارات، بل بإجراءات عملية، منها:

  1. تشديد الرقابة النقابية والقضائية على مداخل العدليات ومكاتب المحامين.

  2. تفعيل الملاحقة التأديبية بحق كل من يثبت تورّطه في هذا النوع من التعاملات.

  3. إطلاق حملات توعية للمتقاضين حول كيفية مراجعة المحاكم والمحامين بطرق قانونية مباشرة.

  4. تفعيل دور التفتيش القضائي والنقابي في رصد الوسطاء والمشبوهين.

ختاما، إنّ السمسرة داخل قصور العدل جرح مفتوح في جسد العدالة اللبنانية، ولا يمكن السكوت عنه باسم الأعراف أو التساهل الإداري. فالمحامي الذي يقبل بوسيط لتأمين زبون يفقد شرف المهنة قبل أن يفقد حقه، والمسؤول الذي يغضّ النظر عن السماسرة يشارك في ضرب آخر ما تبقّى من ثقة الناس بالقضاء. العدالة لا تُدار بالوساطات بل بالقوانين، ولا تُحفظ بالتصريحات بل بالمحاسبة، ولا تُبنى إلا على قاعدة واحدة: أن لا أحد فوق القانون.