مصر و العالم .. المتحف و المجتمع

31 October 2025
المتحف المصري الكبير (الهيئة العامة للاستعلامات)
المتحف المصري الكبير (الهيئة العامة للاستعلامات)
aessamaamr@gmail.com
عمرو عصام
تابع الكاتب عبر :

ليس لدي شك بأن الدور المصري البارز في الأحداث العالمية الراهنة لا يخضع لأي من الإعتبارات أو الحسابات المنطقية المحددة لقوة الدول بمفاهيمها المعاصرة، وأقصد التعليم والتشغيل والتصنيع ومردودهما على الناتج المحلي الإجمالي ومستوى الدخل وجودة المعيشة وغيرهما من مؤشرات كمية ونوعية لا حصر لها. في الأسابيع القليلة الماضية فرضت مصر حضورها على الجميع وجاءت قمة شرم الشيخ للسلام بمثابة إعلان صريح عن موقع القضية الفلسطينية ومركزيتها من القضية المصرية بشكل عام، بعيدأ عن أي ضمانات مستقبلية لهذا الإتفاق أو لنكبة الفلسطينيين المتجددة على وجه التحديد.

الحضارة بمفهومها الواسع، تاريخاً ومكاناً وسكاناً هو رهان مصر الدائم أو هكذا يجب أن تُوجه البوصلة دوماً صوب أسباب القوى الكامنة والذاتية بعيداً عن الهوس بالمفردات الشكلية للحداثة، والتي باتت في السنوات الماضية موجهاً رئيسياً لمشروع التحديث العمراني في بلدنا بعيداً عن جوهر الحداثة ومضمونها العميق من حيث الإبتكار والأصالة فضلاً عن الجمال والجودة والتجويد. 

المتحف المصري الكبير من حيث الدور والوظيفة يعتبر الوعاء الأضخم للإنجاز الحضاري الأعظم في التاريخ المصري، أي الحضارة المصرية القديمة. في تلك البقعة على أطراف المدينة يقف هذا الصرح الضخم كشاهد على ماضِ ولىَ، طُرحت فيه المشروعات الكبرى والمباني العامة ضمن مسابقات عالمية لإنتقاء الأفضل، بغض النظرعن أفضلية المشروع الإيطالي على المشروع الأيرلندي (من وجهة نظري)، وبغض النظر عن العقبات والإشكاليات التي واجهت الأخير وقوضت من فرص تنفيذ التصميم الأصلي لأسباب ليس من المفيد مناقشتها الآن. 

على أي حال، نحن على موعد مع الاحتفال بأحد أهم المشروعات الثقافية في القرن الحادي والعشرين بلا أدنى مبالغة، سواء من حيث الأهمية المعمارية للمتحف كأيقونة أو للمجموعات الآثرية المعروضة، ولكن ماذا عن المدينة والسياق والمجتمع؟ 

تاريخياً تطورت المتاحف من الناحية المعمارية والتصميمية شأنها في ذلك شأن جميع المباني والمنشأت العامة. الأطوار الأولى للمتاحف لم تتجاوز كونها قاعات عرض (ڤاترينات) لمجموعة من القطع الآثرية المختلفة دون وجود أدنى علاقة أو روابط بينهما. بمرور الوقت أخذت سيناريوهات العرض المتحفي أشكالاً وأساليباً مختلفة وتغيرت تماماً الوظيفة التقليدية للمتاحف من مجرد قاعات وصالات عرض كبرى للآثار والفنون إلى مؤسسات ثقافية متكاملة هدفها الرئيسي نشر الثقافة وتنمية المجتمع. 

هذا الدور بالتأكيد مؤهل له المتحف الجديد بدرجة كبيرة، بغض النظر عن سياقه العمراني المباشر الذي يفتقد كثيراً للحيوية والتنوع. المتحف في موقعه الحالي بمنطقة الرماية بمدينة الجيزة يقع ضمن سياق شبه حضري بين ثلاثة محاور حركة اقليمية ( الطريق الدائري – طريق الفيوم – طريق الإسكندرية الصحراوي)، وعلى الرغم من الدور الهام الذي تلعبه تلك المحاور في سهولة الوصول للمتحف بوسائل التنقل الخاصة وتعزيز اتصاله بمحافظات ومدن الدلتا والصعيد، إلا أن شبكة الطرق السريعة تعمل أيضاً كعنصر فصل وعزل للمشروع عن نسيجه العمراني المحيط كما تشكل حداً واضحاً بين المتحف والمجتمع.

لاحظ مثلاً العلاقة السلسة بين المتحف المصري القديم بميدان التحرير وبين النسيج العمراني الحيوي لمنطقة وسط القاهرة من حيث سهولة تنقل ووصول الناس، سواء سيراً على الأقدام عبر شبكة الشوارع المحيطة (الإنسانية نوعاً ما) أو بواسطة وسائل النقل العام والجماعي المتوافرة بكثافة في محيط وسط المدينة. 

السياق إذن له دور محوري مثله مثل المبنى ومحتوياته، والهدف ليس المفاضلة بين المتحف القديم والجديد، على الرغم من التجربة الناجحة لتوسعة متحف اللوفر بباريس في ثمانينات القرن الماضي من خلال إستحداث أنشطة ووظائف جديدة، ولكن ليس من المنطقي الرجوع بالزمن للوراء أكثر من عشرين عاماً للمفاضلة بين المكاسب الكبرى في الحفاظ على الوظيفة التراثية لمبنى تاريخي قائم (المتحف القديم) مع الإستفادة من المرافق القائمة المحيطة، شبكة المواصلات العامة والنيل والمتاحف الأخرى المتخصصة، لخلق تجربة سياحية سلسة ومتكاملة من جانب بالإضافة الى خلق فرص تطوير أخرى لامتناهية في محيط وسط القاهرة من الجانب الآخر، وبين مخاطر المشروعات الكبرى وأعباء التطوير في السياقات الجديدة. 

أي متحف لديه متطلبات من الناحية العمرانية أهمها حيوية وتماسك النسيج الحضري المحيط، لذا اقترنت المتاحف بالمدن وباتت على مدار عقود طويلة جزءا أصيلاً من التجربة الحضرية للمدينة. هضبة الأهرام وكفر غطاطي بالإضافة الى حي حدائق الأهرام وبعض المجمعات السكنية والفندقية المغلقة هما النسيج العمراني القائم والمحيط بالمتحف الجديد، وهو نسيج شبه حضري يفتقر للكثير من المقومات الأساسية التي من الممكن أن تخلق علاقة جيدة بين المتحف والمجتمع. للموقع الحالي منطقه وأسبابه الوجيهة أيضاً، أهمها مواجهة هضبة الأهرام وسهولة الإتصال بشبكة الطرق والمواصلات، كما أن توفير مواقع بهذا الحجم داخل المدن القديمة من المستحيل في حالة القاهرة. 

السياحة كصناعة لها متطلبات هى الأخرى، في السياق المصري تأخذ السياحة أشكالاً مختلفة وفقاً للسياق المكاني والجغرافي. في القاهرة يأتي التحكم والحماية وسهولة الوصول عبر وسائل النقل الخاصة مع ساحات الانتظار المجهزة في مقدمة أولويات ومحددات تلك الصناعة. الموقع الحالي يحقق تلك المتطلبات وأكثر، حيث يسهل تنقل السياح بين الفنادق والمزارات دون التعرض بدرجة كبيرة لتجربة وقسوة المدينة. الأمر يشبه المجمعات الإستهلاكية وأماكن التسوق الضخمة على أطراف المدن التي يذهب لها الناس للتسوق والترفيه هروباً وبديلاً عن الشارع التجاري التقليدي الذي فشلت منظومة الإدارة المحلية في ضبطه والتعامل معه على مدار عقود طويلة. 

الهروب من المركز الى الأطراف هو أحد الملامح الرئيسية في التجربة العمرانية المصرية في العقود الخمسة الماضية. المساحة الضخمة للمتحف والهدف من تأسيسه فرضت نفسها هى الأخرى على متاحفنا الإقليمية، والتى خضعت مقتنياتها ومجموعاتها الأثرية المحدودة للمفاضلة بين البقاء أو الإنتقال للفوز في مارثون تمثيل الأقاليم في العُرس الكبير. المتحف الآن هو المحطة الأخيرة والأبدية لمجموعات أثرية من عدة متاحف مصرية كان من الممكن أن تكون نواة لعملية تنمية ثقافية وتراثية متكاملة داخل كل مدينة، إذا ما توافرت القدرة والإدارة وتجاوزنا مركزية المدن الكبرى. 

المشروعات الإستثنائية دائماً ما تتطلب نُظم إدارة استثنائية هى الأخرى، والمتحف الكبير أحد أهم المشروعات الكبرى والاستثنائية في تاريخ مصر المعاصر، ولا شك أن استدامة المشروع وحماية أهم متحف للآثار المصرية في العالم بعيداً عن عقم البيروقراطية هدف لنا جميعاً. إصلاح المنظومة الحالية لإدارة وتمويل المتاحف المصرية ليس بالأمر الهين، والاختيار الأسهل دوماً في تشكيل منظومة إدارة وتمويل مستقلة لتلافي المعوقات والعقبات الإدارية والهيكلية القائمة. 

بحكم القانون المتحف الكبير الآن هيئة اقتصادية مستقلة، ومن المتوقع أن تصل إيراداته السنوية لأرقام كبيرة للغاية، والتي بلاشك سوف يكون لها دوراً رئيسياً في استدامة المشروع عبر تمويل تكاليف التشغيل بصورة فعالة، ولكن ماذا عن المتحف المصري القديم والمتاحف الأخرى بالأقاليم؟

 المتحف الجديد هو مشروع القرن في مصر بلا أدنى مبالغة، وهذه الأهمية ترجع بالأساس إلى مقتنياته ومحتواه بعيداً عن موقعه أو مبناه. مقتنيات المتحف هي حصيلة متاحف مصر أجمع ومن الضروري التفكير بجدية في مشاركة عوائد المتحف وأرباحه مع المتاحف الأخرى بهدف تنمية المدن الاقليمية بالإرتكاز إلى متاحفها وتراثها كنواة لتنمية اقتصادية واجتماعية متكاملة. 

المتاحف كانت ولا تزال جزءا من المدينة وبدون التفكير في العلاقة المتبادلة بين المتحف والمجتمع لن تتحقق عملية التنمية الثقافية والاقتصادية المتكاملة ولن يجني المجتمع الثمر. بالإرتكاز على العوائد والإيرادات الضخمة المتوقعة، أتمنى أن يندمج المتحف الكبير ضمن شبكة المتاحف الاقليمية المصرية من خلال قيادة مشروع رائد للتنمية المتكاملة داخل المدن المصرية بالإستناد إلى التراث كركيزة أساسية للتنمية، كما أتمنى في القريب العاجل أن أرى المتحف الجديد جزءا من نسيج حضري حيوي ومتنوع، وبالأخص أن محطة المترو المقترحة ضمن الخط الرابع لمشروع مترو أنفاق القاهرة الكبرى سوف تحقق اتصالية جيدة للمتحف بشبكة التنقل والمواصلات وتعزز من وصول الجميع بسهولة وبدون تكاليف مبالغ فيها.

أتمنى أيضا أن أشاهد تجربة سياحية مختلفة في بلادنا حيث يتجول الجميع بحرية دون قيود أو مضايقات وهو أمر لن يتحقق إلا بدمج المجتمع ضمن عملية التنمية السياحية ومشاركة العوائد والفوائد معه بحيث يتحول الجميع لأصحاب مصلحة حقيقيين وفاعلين. وأخيراً أتمنى لمصر عملية إصلاح إداري ومؤسسي حقيقية وفعالة بعيداً عن اختلاق هيئات اقتصادية مستقلة لكل مشروع على حدا، بما يُقوض ليس فقط من وحدة الموازنة العامة للدولة بل في القدرة على إدارة موارد الوطن وتوزيع فائض التنمية بكفاءة وعدالة.