ليبيا في فخ الاقتصاد "الكارنيفوري"
ليبيا اليوم ليست مجرد اقتصاد متعثر، بل اقتصاد يأكل ذاته بهدوء. في الظاهر تبدو الأرقام مستقرة، الإيرادات مستمرة، والمؤسسات قائمة، لكن خلف هذه الصورة المستقرة تكمن مفارقة قاتلة: اقتصاد يستهلك نفسه من الداخل، اقتصاد "كارنيفوري" يلتهم موارده الإدارية والمالية والسياسية ليبقى حيا لكنه لا ينمو. منذ 2014 حين انقسمت البلاد إلى حكومتين، لم يعد الانقسام السياسي حدثا عابرا، بل أصبح نظاما موازٍ يدير المال والسلطة والإنتاج، وتوحّد المصرف المركزي مؤخرا شكلًا فقط، بينما الواقع المالي ما زال منقسما فعليا، ميزانيتان تتحركان بإيقاعين متضادين، ومؤسسات مالية تعمل في تناغم صوري، بينما تُنفق الأموال من مصدر واحد بعقلين مختلفين.
النتيجة واضحة: اقتصاد بلا رؤية موحدة، يشتغل على صيانة أزماته لا على حلّها. في هذا السياق، يصبح الانفاق العام أشبه بتغذية مستمرة لجسم يلتهم عضلاته ليستمر في الحركة. كل طرف يصرف لتثبيت سلطته، لا لبناء اقتصاد متماسك، وتُعاد تدوير نفس الكتلة المالية في دوائر مغلقة من الرواتب والتحويلات والتوريد دون إنتاج حقيقي، في دورة استهلاك ذاتي تجعل الاقتصاد يختنق ببطء داخل منظومته المالية، بينما الاحتياطي العام، بدل أن يكون رافعة استثمار، أصبح أداة ولاء، وأداة لتثبيت السلطة، وليس لبناء قاعدة إنتاجية مستقرة.
هذه الظاهرة تُعرف اقتصاديًا باسم الانقسام الهيكلي الداخلي Internal Structural Schism، حيث لا يفشل الاقتصاد بسبب ندرة الموارد، بل بسبب تضارب الجهات التي تُديرها وغياب التزام مؤسسي موحد بالسياسة المالية والنقدية. وهنا يبدأ التآكل غير المرئي: ضعف كفاءة التخصيص، تضارب القرارات، تفاوت قيمة الدينار بين مناطق، وازدواجية العقود والإنفاق العام، وكل ذلك لا يؤدي إلى انهيار مباشر، بل إلى ما يسميه الاقتصاديون Gradual Erosion of Productive Dynamics، أي الضمور البطيء للديناميكية الإنتاجية.
تاريخيًا، هناك دروس يمكن تعلمها من تجارب دول أخرى في تجاوز الانقسام المالي. تشيلي في الثمانينيات كانت على حافة الانهيار حين تفكك التنسيق بين مؤسساتها المالية والصناعية بعد أزمة الديون اللاتينية، لكنها استعادت توازنها عبر ما عُرف لاحقا بإجماع سانتياغو، حيث ربط البنك المركزي سياساته النقدية برؤية صناعية وإنتاجية واضحة، فتم تحويل الموارد إلى استثمارات طويلة الأجل وإعادة بناء دورة إنتاجية مستدامة.
أستراليا في التسعينيات واجهت تضخما بيروقراطيًا وتنازعًا ماليًا بين حكومات الولايات والمركز، ما رفع الدين العام وقلل التنافسية، لكنها تجاوزت الأزمة عبر إصلاحات مؤسسية عميقة أبرزها إنشاء Council of Australian Governments الذي وحد التخطيط المالي وأعاد صياغة العلاقة بين الفيدرالية والإنفاق الإنتاجي. أما ماليزيا في مطلع الألفية، فقد كادت تواجه الانقسام المالي ذاته بين القطاعين العام وشبه العام بعد الأزمة الآسيوية، لكنها اعتمدت نموذج Fiscal Centralization with Local Flexibility الذي أعاد التوازن بين المركز والمناطق، وحوّل الإنفاق إلى مشاريع بنية تحتية منتجة بدل الإنفاق الاستهلاكي، فتمكن الاقتصاد من تحويل أزمة الانقسام المالي إلى فرصة توسع حقيقية.
هذه التجارب تمثل ما يُعرف في الدراسات الاقتصادية الحديثة باسم Fiscal Dualism أو “الازدواجية المالية”، وهي الحالة التي تتعايش فيها سياسات مالية متعددة داخل الاقتصاد الوطني دون تنسيق فعلي، ما يؤدي إلى استنزاف القدرة المؤسسية على التخطيط والاستثمار، وليبيا تمثل حالة واضحة لهذا المفهوم في المنطقة، حيث تتغذى منظومتها المالية على نفسها دون أن تولّد دورة إنتاجية حقيقية، وهو ما يجعلها مثالًا حياً على المخاطر التي يحذر منها الباحثون في الاقتصاد المقارن عند انهيار التنسيق المالي بين وحدات الدولة.
ما تعيشه ليبيا اليوم ليس مجرد خلل في الإنفاق، بل مرض في البنية المؤسسية، حيث الاقتصاد فقد ذاكرته التنسيقية، ولم يعد يعرف إلى أين تُوجَّه موارده، كل جهة تُنفق بمعزل عن الأخرى، والموازنة العامة تحولت إلى مرآتين متقابلتين تعكسان ضوءا بلا حرارة، إنها حالة من الاقتصاد الدفاعي، لكن من نوع مختلف، لا يحمي نفسه من الخارج، بل من نفسه.
الاقتصاد "الكارنيفوري" لا يُعالج بتوحيد المؤسسات فقط، بل بإعادة بناء العلاقة بين المال والسياسة والإنتاج، فالمسألة لم تعد مالية بقدر ما هي إدراكية، كيف ترى الدولة ذاتها؟ وكيف تفهم دورها؟ هل الاقتصاد وسيلة لتثبيت الحكم أم لبناء المجتمع؟
الإجابة عن هذا السؤال تحدد ما إذا كانت ليبيا ستظل تلتهم ذاتها أم ستعيد بناء جسدها الاقتصادي على أسس جديدة. وإذا نجحت في توحيد إرادتها الاقتصادية، فإن الاقتصاد "الكارنيفوري" يمكن أن يتحول إلى اقتصاد منتج متجدد، أما إذا استمر الانقسام، فستظل البلاد في دورة استهلاك ذاتي بلا إنتاجية حقيقية.
ليبيا تملك ما يكفي من الموارد والكوادر لتصنع نهضتها، لكن ما تحتاجه اليوم هو وحدة الإرادة الاقتصادية قبل وحدة الحسابات، فالأخطر من الانقسام السياسي أن يستمر الاقتصاد الليبي في أكل نفسه، متخيلًا أنه يعيش، بينما كل ما يفعله هو تأجيل الموت، إلا أن الأمل الحقيقي يكمن في إدراك أن التغيير ممكن عبر توحيد الرؤية المالية والسياسية واستثمار الموارد ضمن إطار موحد يعيد الإنتاجية والقدرة المؤسسية ويحوّل الانقسام الداخلي إلى قوة إنتاجية.
إن فهم المفاهيم الاقتصادية الدقيقة مثل Fiscal Dualism وInternal Structural Schism ليس رفاهية أكاديمية، بل أداة لفهم واقع ليبيا المعقد، وتحديد سياسات تجعل المال والسياسة والإنتاج في خدمة البناء الوطني وليس الصراع الداخلي.