الولاء للعمل كذبة اخترعها مديري الفاضل!

24 October 2025
مفهوم الولاء للعمل ظهر في القرن التاسع عشر (وسائل التواصل)
مفهوم الولاء للعمل ظهر في القرن التاسع عشر (وسائل التواصل)
alrasheedm1@hotmail.com
مشاري الرشيد
تابع الكاتب عبر :

ينقسم الولاء للعمل إلى أسلوبين، الأول مبني على المصلحة الصريحة "أجر مقابل عمل" وهذا لا يتعارض مع المبادئ المهنية بصراحته الواضحة، والموظف بدوره يبحث عن مصلحته ولا يبذل أكثر من المتفق عليه. أما الثاني، مبني على الأساس الإنساني والثقة المتبادلة، فالموظف يعمل أكثر من ساعات العمل المتفق عليها، ويعمل في إجازة نهاية الأسبوع وهو مستمتع جدا وأصحاب العمل يقدرون هذا الجهد. 

المختلف في هذه القصة هو التناقض الواضح في مفهوم الولاء؛ فصاحب العمل يطالب الموظف بإخلاصٍ يتجاوز حدود الاتفاق، تحت مبرر أن الولاء واجب واستحقاق طبيعي تجاه المؤسسة. لكن حين يطلب الموظف في المقابل تقديرا لجهوده الإضافية، يكون الرد مقتصرا على: "يكفي أن راتبك يُصرف في موعده." وهنا تتجلى فردانية الولاء؛ ولاءٌ مطلوب من طرف واحد دون مقابل، ويتساءل الموظف بدوره: أين ولاء المؤسسة لي؟ لماذا يختفي ولاؤها عند توزيع المكافآت؟

أوّل ظهور لمفهوم الولاء الوظيفي كان في أواخر القرن التاسع عشر، وذلك أثناء الثورة الصناعية، حيث باتت العلاقة بين صاحب العمل والعامل علاقة مادية بحتة: أجر مقابل عمل دون أي اعتبار للمشاعر أو الانتماء. وبحلول عام 1940، ظهر البُعد الإنساني، وبدأ الاهتمام بالجانب العاطفي للموظف، وليس المال فقط، ليبدأ مفهوم الولاء الوظيفي في التشكل.

نفترض موقفًا لرئيس منظمة انضم إليها شركاء من الملاك، ثم طالبوا بتجديد الدماء وتغيير الموظفين، وبالفعل ذهب الرئيس وقال لموظفه: هذا آخر شهر لك. في هذه الحالة، أين أجد ولاء المؤسسة للموظف؟ هذا التناقض بين الولاء الحقيقي والاستغلال المبطَّن ليس مجرد انطباع شخصي، بل تؤكده الأبحاث. ففي دراسة حديثة أُجريت في جامعة "ديوك" بقيادة الباحث ماثيو ستانلي، وُجد أن المديرين يميلون إلى تكليف الموظفين المخلصين بمهام إضافية وساعات عمل غير مدفوعة الأجر، مقارنة بزملائهم الأقل التزاماً. تُظهر هذه النتائج أن الولاء يُكافأ أحيانًا بمزيد من الأعباء لا بالتقدير. وهذا يفسر لماذا يشعر كثير من الموظفين بأن ولاءهم يُقابَل بالتجاهل.

 ما أجمل الوفاء ذاك الشعور الأصيل الذي لم بدخل فيه شوائب المصلحة المادية أو الاستغلالية، فالوفاء هو شعور صادق سامٍ ولا يغيره شيء، والولاء بصورته الحديثة أناني جدا، فعندما يتعثر الموظف مرة يوبخ ألف مرة، وكأن الولاء خُلق فقط للموظف وليس للمؤسسات. 

الموضوع ليس سوداوي فالتاريخ المهني مليء بالنبلاء الذين يذكرون فضلّ مؤسساتهم التي عملوا بها، وكانت تجربة نوّعية لهم، وبدورها المؤسسات تفتخر بالموظفين الذي أحدثوا نقله نوّعية. 

ماذا لو كان الولاء حب من طرف واحد؟ من المفارقات العاطفية البارزة "الحب من طرف واحد"، كما صوّره الشاعر محمد بن فطيس في قصيدته (يا قوّ قلبك)، حيث يظهر ذلك في وصفه لوفاء المُعاتب، الذي لو ذهب مَعشُوقه وعاد، يبقى أصيل لحبه. وبعد إرهاق الغياب والجفاء، تَعّلو عزة نفسه لِتَكسر ذُل المحبة.

 باختصار قال لي أحد الأصدقاء: "الولاء كذبة اخترعها مديري الفاضل"، عبارة ساخرة وحقيقية جدًا. وبالمناسبة، ذلك مع وجود برامج الولاء المزيفة. وأخيرًا الولاء لا يُشترى ولا يُفرض، بل يُبنى على التقدير المتبادل.