إيجارات المنازل في سوريا.. أسعار بلا رقيب
لم تعد أزمة إيجارات المنازل في سوريا مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل أصبحت وجهاً اخر لمعاناة إنسانية تمسّ حياة الناس في جميع المدن السورية من الجنوب إلى الشمال. فأن تبحث اليوم عن منزل للإيجار في المدن السورية، خصوصا في العاصمة دمشق أو مدينة حلب، هو أشبه بالبحث عن سراب، الأسعار تنفلت بلا رقيب، والدخل المحدود يتلاشى أمام موجة الغلاء المتصاعدة يوماً بعد يوم.
سوريا التي تُعرف مدنها بتنوّعها السكاني بين الشعبي والحديث، تعاني اليوم من مشكلة تصاعد أسعار إيجارات المنازل، ففي الأشهر الأخيرة، باتت المدن السورية تشترك في معاناة واحدة، تسببت في خلق فجوة هائلة بين ما يجنيه المواطن وما تتطلبه كلفة المعيشة والسكن. لم يعد هذا الأمر حكراً على العاصمة دمشق أو على المدن الكبرى، بل طال مدناً صغيرة، وأريافاً كانت في السابق جدراناً دافئة للفئات ذات الدخل المحدود.
هذه الفجوة لم تنشأ من فراغ، بل كانت نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من الدمار، إذ خلّفت الحرب خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية نقصاً حاداً في المعروض من المساكن، بينما ظل الطلب في ازدياد، خصوصاً مع عودة آلاف المواطنين السوريين من بلدان اللجوء إلى بلدهم. ولأن السوق العقاري لا يدرك هموم الناس، فقد وجد بعض المالكين في هذا النقص فرصة للربح السريع، فارتفعت إيجارات المنازل إلى مستويات غير منطقية، ومع غياب الرقابة الفعلية، أصبح الاستغلال هو القاعدة، والعدالة هي الاستثناء. لا توجد قوانين تردع، ولا ضوابط تحمي المستأجر في المدن والمناطق السورية، من استغلال بعض المؤجرين الذين حوّلوا أزمة السكن إلى تجارة قائمة على حاجة الناس وضعفهم.
ولتوضيح حجم المشكة التي أصبحت وجعاً يعاني منه المواطنين السوريين، يمكن النظر إلى مدينة حلب كمثال، تشير البيانات إلى أن إيجارات المنازل في حلب ارتفعت بنسبة تتراوح بين 20% إلى 100% أو أكثر خلال الأشهر الماضية، خصوصاً في الأحياء الشرقية الشعبية المنهكة من المدينة، ففي مناطق حيي مساكن هنانو والحيدرية، وحيي الهلّك، والشعار، تجاوزت الزيادة نسب 20% وصولًا إلى 80% . وتترواح نسبة ارتفاع الإيجارات في المناطق الغربية في حلب بين 70% و 100%، وذلك في منطاق الجميلية والسريان، وحيي السبيل والمحافظة. هذا المشهد ليس فقط في حلب بل يتكرر في أغلب المدن السورية، مثل دمشق واللاذقية وطرطوس وحماة، ما جعل الأزمة شاملة بمشهد واحد. ولا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي من المشكلة، فارتفاع أسعار مواد البناء وتكاليف الإصلاح جعل حتى الشقق القديمة عبئا على أصحابها، ما انعكس بطبيعة الحال على الإيجارات، ومع كل هذه العوامل المتشابكة، يعيش المواطن السوري بين مطرقة الغلاء وسندان الحاجة إلى سقف يأويه.
ولا يقف جوهر الأزمة عند حدود الأرقام والمعادلات الاقتصادية، بل يمتد إلى البعد الإنساني والاجتماعي فهناك عائلات تضطر اليوم إلى تقاسم منزل صغير مع أخرى، وعائلات تضطر إلى التنقّل إلى أطراف المدينة لتجد إيجاراً بتكلفة أقل من المدينة، لتبدأ معاناة جديدة مع مشاق التنقل وارتفاع كلفته، وهو ما يرهق خصوصاً طلاب الجامعات والعاملين ذوي الدخل المحدود. ما يزيد من قسوة المشهد أن الحلول المطروحة من الجهات المعنية ما تزال خجولة وبعيدة عن جوهر الأزمة، إن إصدار تعميم أو وعد بمشروع إسكان لا يكفي لمعالجة مشكلة بهذا العمق. بل المطلوب رؤية حقيقية تنظم العلاقة بين المؤجّر والمستأجر، وتضع سقفاً عادلًا للأسعار، وتشجّع الاستثمار في مشاريع سكنية بأسعار معقولة، بدل ترك سوق العقارات ساحة للمضاربات والمزاج الفردي.
لقد آن الأوان لأن تتعامل الحكومة الانتقالية في سوريا مع قضية السكن بوصفها حقاً إنسانياً أساسياً لا مجرد بند اقتصادي، فحين يُحرم المواطن السوري من بيت يأويه، يُسلب جزء من كرامته واستقراره النفسي والاجتماعي. إن بناء الثقة بين المواطن والحكومة في سوريا يبدأ من شعور الناس بأن هناك من يحميهم من الاستغلال، ويؤمّن لهم حقهم الطبيعي في السكن الكريم، واتخاذ الإجراءات والتدابير تعتبر من أولى واجبات الجهات المعنية بذلك. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يريد أحد مواجهته، إلى متى سيظل السكن في سوريا رفاهية لا يقدر عليها إلا القلة، بينما يُترك الباقون في دوامة البحث عن مأوى يليق بإنسانيتهم؟