الموسيقى عِلاجُ العَصر
يَرزَحُ عَصرُنا الحالي تحت ضُغوطِ الحياة الاستهلاكية ويَكادُ الإنسانُ يَنسى ما في الدُنيا مِنْ جَمال. كبلَتنا قيودُ الحياةِ فَنَسينا أننا على قَيدِ الحياة، وفي خِضَمِّ هذه المُعْضِلة تَتجلّى الموسيقى سَبيلاً ساحراً لإنقاذِنا من براثنِ الجفافِ الروحي والنفسي.
يوجد أنواع مختلفة من الموسيقى، منها ما يَرفَعُنا إلى سماواتٍ من الصفاءِ والسكون، ومنها ما هو مُسيئٌ فتسمّى "الموسيئة" من السَيّء، فكما زوالُ حَرفُ القافِ منها يُغيّرُ المِعنى، هكذا اختياراتُنا السيئة تودي بنا إلى مدارك من الفوضى النغميَّة، لذا أقول: "ليست كلُّ الأصوات موسيقى وإلاّ لَكانَ الضجيجُ سمفونيّة العَصر".
العلاج بالموسيقى ليسَ تَخَصُصاً جَديداً، وقد شَهِدَ تطوراً عبر الزمن منذ اليونانيين والعَرب، وصولاً إلى حاضرِنا مع العلاج النفسي بالموسيقى العَصبيّة والبناء على التأثيرات. الموسيقى مَوجودة في حنايا الطبيعة وقبلَ أن يَتعرَّف الإنسان إليها وإلى كَيفيَّة إخراج النَغماتِ والإيقاعات، شَعَرَ بها بروحِه وأثَّرَت بهِ في حَفيف أوراقِ الشَّجر ونَسيمِ الهَواءِ عبر ثُقوبِ القَصَب وصَوت ِالرَعد وخَريرِ المياه وغناءِ الطيور.
لَقَد أَصبَحَ بِإمكانِ الطُبْ قِياسَ التَأثيرات والتَغيرات الفيزيولوجيّة التي تَطْرَأُ على الإنسان عند سماعِهِ الموسيقى مِنْ خِلال عِدَّةِ وَسائِل مِثل تَخطيطِ القلبِ والدماغِ والتَنَفّس وضَغطِ الدَّم. ويَرى اختصاصيون أنَّ الموسيقى حينَ تُستَخدَمُ للعِلاجِ تَعمَلُ كَمَوْجاتٍ مُوَجَّهةٍ ذاتِ تَرَدُّدٍ فَعّال يُعَدِّلُ اختلال المَوجاتِ في الأجزاءِ المصابة وتَتَحَوَّلُ إلى نَبَضاتٍ تَسري في الأعصاب.
تُساعِدُ الموسيقى في عِلاجِ التَوَحُّد والإعاقاتِ النَفسيّة والجَسديّة، وفي الأمراضِ السَرطانيّة تُساهم في إفرازِ الجِسمِ لمادة "الدوبامين"، أما أثرها على المُراهقين فهو بالغُ الأهميّةِ حيث تَمْنَحُهُم سَلاماً داخِلياً وتَجعَلُهُم يُعَبِّرُون عن رأيِهِم بِشَكْلٍ أَقَل عِدائيّة إن أحسنوا اختيارها، وعند عِند البالغين فَتُساعِدُ الموسيقى في إدارة الغَضَب.
لا يَستَطيعُ أيُّ طَبيبٍ أو موسيقي أَنْ يُمارِسَ العِلاجَ بالموسيقى بَلْ يَجِب أنْ يَمتَلِكَ مَهاراتٍ موسيقيّة ومَعرفة بأنْواعِها، إضافةً إلى امتلاكه مَهاراتِ المُعالج النفسي، فالعِلاجُ لَيْسَ مُجَرَّدَ استماع، بَلْ يَشْمَلُ أيضاً العَزْفَ والغِناءَ والتَّعبير عَن المشاعِرِ المرتَبِطة بالموسيقى مما يُوَفِّرُ مَساحةً إبداعيَة للتَّعبير الذاتي ومُعالجة المُشكلات العاطفية.
إنَّهُ نَهْجٌ عِلاجي مُتَكامِل يَهْدِفُ إلى تَحقيقِ التَوازُن البَدني والعاطِفي والإدراكي والاجتماعي. ونظراً للتَّأثير القَوي للموسيقى على الدِماغ، يَبْحَثُ العُلماء في إمكانيّة استخدامها لِعِلاجِ العَديد مِن الحالاتِ العَصبيّة مِثلَ السَكْتَة الدِماغيّة أو مَرَضِ الباركنسون.