اقتصاد بلا مرآة: عندما يُصبح "سعر التعادل" في ليبيا رقماً بلا جذور..

20 October 2025
ط
ط
osamakv@yahoo.com
أسامة ابوبكر الصافي
تابع الكاتب عبر :

في أدبيات المالية العامة، يُعتبر “سعر تعادل النفط” معياراً تحليلياً بالغ الأهمية، يُستخدم لقياس مدى قدرة إيرادات الدولة النفطية على تغطية نفقاتها. ويُفترض، في السياقات المستقرة، أن هذا الرقم يعكس العلاقة بين مستوى الإنفاق العام ومعدلات الإنتاج والعوائد النفطية، بما يساعد على استشراف الاستدامة المالية وتقدير نقاط المخاطر. غير أن هذا المفهوم، الذي يمثل في العادة مرآة لواقع السياسات المالية، يتحول في الحالة الليبية إلى رقم بلا مرجعية واضحة، لأنه ببساطة لا يُبنى على موازنة وطنية معتمدة أو شفافة. 

وفقاً لآخر تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2025، يُفترض أن يبلغ سعر تعادل النفط في ليبيا 66.7 دولارًا للبرميل. قد يبدو هذا الرقم مريحًا ومطمئنًا، لكنه في الحقيقة لا يعكس واقعًا اقتصادياً متماسكًا. فليبيا لم تعتمد موازنة عامة شرعية وموحدة منذ سنوات، والمشهد المالي تُديره سلطات متوازية، وآليات إنفاق استثنائية، وبيانات جزئية تُنشر في غياب رقابة مستقلة فعّالة. في طرابلس، لا تزال الحكومة تصرف وفق قاعدة “1 على 12” من موازنة العام السابق، وهي آلية مؤقتة تُفترض في الظروف العادية ألا تستمر أكثر من بضعة أشهر. لكنها في ليبيا تحوّلت إلى سياسة دائمة، في ظل غياب إقرار تشريعي رسمي من مجلس النواب. أما في شرق البلاد، فيسود ما يُعرف بـ”الإنفاق الموازي”، وهو إنفاق حكومي يتم خارج الإطار المالي الرسمي، دون إعلان شفاف عن تفاصيله، ودون خضوع فعلي لأي رقابة أو مراجعة مستقلة. 

هذا الانقسام المالي يعكس واقعاً مؤسسياً هشاً، حيث تغيب الأدوات التي تجعل من الأرقام مرجعية موثوقة. فكيف يمكن لرقم كـ”سعر التعادل” أن يُستخدم لتقييم كفاءة الإنفاق أو الاستدامة المالية، في وقت لا توجد فيه موازنة معتمدة، ولا خطط إنفاق وطنية معلنة، ولا تقارير دورية توضح مصير الإيرادات النفطية؟ بل إن البيانات المتعلقة بالعقود والبيع، والتحصيل، وإعادة التوزيع، لا تزال تعاني من ضعف في الإفصاح والتوثيق، ما يجعل كل تحليل مبني عليها عرضة للشك. وليس غريباً في هذا السياق أن تُستخدم مثل هذه المؤشرات، بدلًا من أن تُنير الطريق نحو الإصلاح، كأداة لتسويق الاستقرار الزائف. إذ يمكن لرقم مطمئن أن يمنح الانطباع بوجود انضباط مالي، في حين أن الدين العام يرتفع بصمت، والاحتياطي الأجنبي يُستنزف ببطء، ومخصصات التنمية تتآكل لحساب الإنفاق الجاري. والأسوأ أن مثل هذه الأرقام قد تُستخدم سياسيًا لتبرير استمرار الوضع القائم، والتغاضي عن الحاجة إلى إصلاحات جوهرية في البنية المؤسسية والمالية.

إن استعادة جدية المؤشرات الاقتصادية في ليبيا لا يمكن أن تتم من خلال تحسين عرض الأرقام، بل عبر إعادة بناء ثقة المواطن والمؤسسات في مصداقية هذه الأرقام. وهذا يتطلب، أولاً، توحيد الأطر المالية للدولة، وإقرار موازنة وطنية واحدة عبر سلطة تشريعية شرعية، ونشر بيانات دورية دقيقة حول الإيرادات والإنفاق. كما يتطلب إعادة تفعيل دور الأجهزة الرقابية، وضمان استقلالية المصرف المركزي، ووضع حد لاستخدام أدوات الإنفاق الموازي. وما لم تُتخذ هذه الخطوات، فإن كل رقم يُنشر — مهما بدا عقلانيًا — سيظل منفصلًا عن واقعه، ومجرد تمثيل رمزي لدولة غائبة عن مسرح التنظيم المالي. الاقتصاد لا يزدهر بالأرقام وحدها، بل بالمؤسسات التي تصنع الأرقام، وتحاسب عليها.