الأمن المائي المصري: من الصبر إلى لحظة الحقيقة

13 October 2025
أربعة عشر عاما من الدبلوماسية الهادئة لمصر في التعامل مع سد النهضة
أربعة عشر عاما من الدبلوماسية الهادئة لمصر في التعامل مع سد النهضة
eslmac2@gmail.com
اسلام زائدة
تابع الكاتب عبر :

من يتأمل المشهد المائي في حوض النيل، يدرك أن ما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة، بل نتيجة لمسارٍ طويل من السياسات الأحادية والمراوغات التي تجاهلت جوهر العدالة التاريخية في تقاسم النهر، كما أكدّت تقارير «رويترز» حول مخاطر إدارة السد الإثيوبي وتأثيره على دول المصب. فالسؤال الذي يتردد في الأذهان: هل بدأت القاهرة التفكير في المواجهة، أم أن المواجهة فُرضت عليها؟ الواقع أن مصر لم تكن يومًا باحثة عن صدام، ولا ساعية إلى تهديد أحد، بل كانت — وما زالت — تنظر إلى النيل باعتباره رباطًا للحياة بين الشعوب، لا ساحةً للصراع بين الدول.

 ولم تكن القاهرة غائبة عن الميدان الدبلوماسي، بل خاضت عبر أربعة عشر عاماً متصلة واحدة من أطول وأعقد جولات التفاوض في التاريخ الحديث، مستندة إلى إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم عام 2015، والمواثيق الدولية المعترف بها، التزمت خلالها بالحكمة، واحترمت القانون، وقدّمت ما يكفي من المبادرات والمقترحات لضمان حق التنمية للجميع دون الإضرار بحقوق أحد. لكن ما قابلته به أديس أبابا لم يكن روح الجوار، بل سياسة فرض الأمر الواقع، والتعامل مع النهر وكأنه ملكية خاصة. فحين تُدار موارد الحياة بقرارات أحادية، وحين يصبح فتح بوابة أو غلقها قراراً سياسياً لا فنياً، فإننا لا نتحدث عن تنمية، بل عن محاولة للتحكم في مصير شعوب بأكملها، كما أشارت وسائل الإعلام الدولية مثل «الأهرام أونلاين» و«بي بي سي» إلى أثر القرارات الأحادية الأخيرة على القرى المصرية والسودانية. 

من الدبلوماسية إلى الاختبار 

لقد مارست مصر أقصى درجات ضبط النفس، وهي ترى مشروع السد يتحول من حلم تنموي إلى ورقة ضغط إقليمي، كما لاحظ خبراء الموارد المائية، من بينهم الدكتور عباس شراقي، الذي أوضح أن التخزين الأحادي للسد يؤثر على حصة مصر السنوية بمليارات الأمتار المكعبة. لم تنجرّ إلى التصعيد، ولم تفقد بوصلتها، لأن إدارتها للملف كانت — منذ البداية — قائمة على إدراكٍ عميق بأن النيل ليس ملفاً فنياً فحسب، بل ملف وجودي تتقاطع فيه الجغرافيا بالتاريخ، والسياسة بالكرامة الوطنية. غير أن السنوات الأخيرة أثبتت أن الطرف الآخر لم يتعامل بنفس المسؤولية، فالمخاطر التي شهدناها مؤخراً — من غرق قرى سودانية وأخرى مصرية نتيجة قرارات تشغيل غير منسقة — كشفت أن القضية تجاوزت حدود الخطأ الفني إلى نقطة سوء النية المتعمدة. فلقد انكشفت الأهداف الخفية، مشروع يراد له أن يكون أداة نفوذ لا أداة نهضة، وسدٌّ يُدار بعقلية السيطرة لا بعقلية المشاركة، وفق ما رصدته تقارير صحفية موثوقة مثل «رويترز» و«AP». 

مصر بين الحكمة والكرامة

 على امتداد أربعة عشر عاماً، ظلّت مصر الطرف الذي يحترم المواثيق الدولية، ويؤمن بأن الحلول الدبلوماسية هي الطريق الأضمن للحفاظ على السلم، معتمدة على اتفاقية 1959 لتقسيم مياه النيل واتفاقية 1902 التاريخية بين مصر والسودان وإثيوبيا. لكن الصبر، مهما طال، لا يعني التنازل، والهدوء لا يعني القبول. فلكل أمة حدود تصبر عندها، وحدود أخرى إذا تجاوزها الآخرون تتحول إلى موقف. ومصر، التي اختارت الحوار، قادرة — حين تقتضي الضرورة — أن تختار الفعل، ولكن في إطار القانون والحق والكرامة. إن الأمن المائي المصري ليس ملفاً تنموياً يُناقش على طاولة مفاوضات، بل قضية وجود تتعلق بالحياة ذاتها. فالنيل الذي صاغ وجدان المصريين عبر آلاف السنين لا يمكن أن يتحول إلى صنبورٍ يتحكم فيه أحد، ولا يمكن أن يُختزل في معادلات الحسابات الضيقة أو سياسات الاستعلاء المؤقت. 

ما تريده مصر اليوم ليس أكثر من العدالة، عدالة تقر بحقها في الحياة كما تقر بحق الآخرين في التنمية. لكن العدالة لا تُبنى على التفرد، ولا تُدار بالمراوغة. وإذا كانت إثيوبيا تراهن على الزمن، فإن مصر تراهن على التاريخ، والتاريخ، في نهاية المطاف، لا ينحاز إلى من امتلك القوة، بل إلى من امتلك الحق. لقد أثبتت التجارب أن مصر لا تتحدث كثيراً، لكنها، حين تتكلم تكون كلماتها محسوبة، موجهة، وقادرة على أن تُحدث أثرها. واليوم، يبدو أن لحظة الحقيقة قد اقتربت، لحظة يُختبر فيها معنى الصبر وحدود الحكمة، ويُعرف فيها أن النيل، الذي منح الحياة، لا يقبل أن يُدار بقرار منفرد، ولا أن يُختزل في إرادة واحدة. فالماء حياة، ومصر التي علّمت العالم معنى الحضارة، لن تسمح، لا اليوم ولا غداً، أن يتحكم أحد في شريانها الأبدي. ذلك ليس تهديداً، بل إعلان حقيقة يعرفها التاريخ قبل أن تُدركها الجغرافيا: أن مصر إذا دافعت عن حقها، فإنها تدافع عن الحياة نفسها.