خارج الشاشة

30 October 2026
a.q.aljamea@maysan.one
عبدالله الجامع
تابع الكاتب عبر :

ماذا يحدث عندما تبدأ الشعوب في معرفة بعضها من خلال أكثر أفرادها غضبًا، أو أقلهم معرفة؟ ربما لم يكن هذا السؤال بهذه الأهمية قبل سنوات. حين كانت معرفة المجتمعات ببعضها تأتي من السفر، والعمل، والدراسة، والتجارة، والكتب، ومن تجارب حقيقية يتناقلها الناس. أما اليوم، فقد تكون بضعة منشورات كافية لتكوين صورة عن شعب كامل، وقد يتحول مقطع قصير أو تعليق غاضب إلى نافذة ننظر منها إلى ملايين البشر.

المشكلة ليست في وجود هذه الأصوات. بعضها يعبر عن غضب حقيقي، وبعضها عن جهل بالآخر، وبعضها قد ينطلق من أيديولوجيا أو مصلحة أو أجندة خاصة. المشكلة تبدأ حين نمنحها حجمًا أكبر من حجمها، ثم نعاملها كما لو أنها تتحدث باسم الجميع. فليس كل من يرفع علم دولة في حسابه يمثل شعبها، وليس كل من يتحدث بصيغة «نحن» مخولًا بالحديث باسم الملايين.

لكن "السوشيال ميديا" تجعل رؤية هذا الفرق أكثر صعوبة. فالمنصات لا تقدم لنا المجتمعات كما هي بالضرورة، بل تقدم ما يستحق — وفق منطقها — أن نتوقف أمامه. والغضب يستوقفنا، والخصومة تستوقفنا، والإساءة تستوقفنا. أما العلاقات الطبيعية، فنادرًا ما تجد فيها ما يكفي لصناعة حدث.

آلاف الأشخاص قد يسافرون بين بلدين، ويتاجرون ويدرسون ويعملون معًا، دون أن يصبح أي منهم موضوعًا للنقاش. لكن شخصين يتبادلان الإساءة على شاشة صغيرة قد يتحولان خلال ساعات إلى ممثلين غير منتخبين لشعبين كاملين. فالسلام اليومي هادئ، أما الخصومة فتصنع محتوى. وربما لهذا نشعر أحيانًا بأن العلاقات بين بعض المجتمعات أكثر توترًا مما هي عليه في الواقع. فنحن لا نشاهد الحياة كلها؛ بل الجزء الذي استطاع الوصول إلى شاشاتنا.

هل نحن نعرف الشعوب فعلًا، أم نعرف النسخة التي صنعتها خوارزمياتنا عنها؟ قد يحمل شخصان يعيشان في المدينة نفسها صورتين متناقضتين تمامًا عن مجتمع بعيد، فقط لأن شاشة كل منهما فتحت له نافذة مختلفة. أحدهما يرى قصصًا جميلة، والآخر لا يرى إلا الغضب. ومع الوقت، قد تتحول النافذة إلى جدار.

ويزداد الأمر تعقيدًا لأن الموجودين في هذا الفضاء لا يدخلونه جميعًا للأسباب نفسها. هناك من يريد التعبير، ومن يبحث عن الشهرة أو التفاعل، وهناك من يحمل موقفًا أيديولوجيًا أو مصلحة أو هدفًا يسعى من خلاله إلى تشكيل صورة مجتمع في ذهن مجتمع آخر. ولا يحتاج الأمر إلى نظرية مؤامرة. يكفي أن نتذكر أن الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة، وأن ارتفاع الصوت لا يخبرنا دائمًا عن عدد من يقفون خلفه، ولا عن دوافع صاحبه.

ثم إننا نحن أيضًا ننجذب إلى الدراما. نلتفت إلى الصدام أكثر من التوافق، وإلى الاستثناء أكثر من المعتاد، وإلى العبارة المستفزة أكثر من الحوار الهادئ. والمنصات قادرة على التقاط هذا الميل وتضخيمه وإعادته إلينا، حتى يبدو الاستثناء قاعدة، والغاضب ممثلًا، والأقل معرفة متحدثًا باسم الجميع، والخصومة العابرة تاريخًا من العداء.

لكن العلاقات بين الشعوب أكبر من ذلك. هي سفر وتجارة ودراسة وعمل وصداقات وثقافة وذاكرة وتجارب تراكمت عبر سنوات. قد تمر بلحظات توتر، وقد تتغير فيها الصور والانطباعات، لكن اختزالها فيما يحدث خلال ساعات داخل منصة رقمية يشبه محاولة فهم مدينة كاملة من خلال نافذة واحدة.

أما العلاقات بين الدول، فهي أبعد من أن تختصرها أصوات أفراد مهما ارتفعت. الدول لا تقيس علاقاتها بعدد الإعجابات، ولا تعقد اتفاقياتها في مساحة التعليقات. خلف العلاقات الدولية مؤسسات وملفات ومصالح واتفاقيات وتعاون اقتصادي وثقافي وتعليمي، وعمل هادئ لا يراه الجمهور في كثير من الأحيان.

وربما كانت المفارقة أن أكثر هذه العلاقات عمقًا هي أقلها ضجيجًا. فالعمل الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى ميكروفون، والعلاقة المتجذرة لا تحتاج كل صباح إلى أن تثبت وجودها أمام الجمهور. ليس الأعلى صوتًا هو الأعمق أثرًا؛ فكثيرًا ما يكون الأقل ضجيجًا هو الأكثر عملًا وتجذرًا. وهذا لا يعني أن السوشيال ميديا بلا أثر. الكلمات قد تترك أثرًا، والصور النمطية قد تتراكم، والخطابات العدائية قد تغير مع الوقت شيئًا في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم.

لكن الخطر يبدأ ربما عندما تتحول السوشيال ميديا من جزء من الصورة إلى الصورة كلها. عندما يصبح المنشور دليلًا على شعب، والوسم دليلًا على علاقة، والحساب الغاضب سفارة غير معلنة لملايين البشر.

خارج الشاشة، هناك صورة أخرى. هناك أناس يلتقون دون ضجيج، ومؤسسات تعمل دون جمهور، ومصالح تستمر رغم اختلاف المزاج، وعلاقات صنعتها سنوات لا تستطيع تغريدة أن تمحوها، ولا يستطيع مقطع عابر أن يختصرها.

الضوضاء تستطيع أن تملأ الأثير، والميكروفونات تستطيع أن تجعل صوتًا واحدًا يبدو كأنه أصوات الآلاف. لكن العلاقات الحقيقية تُبنى في مكان آخر. وربما لهذا، يكون أقلها صوتًا أعمقها عملًا وتجذرًا.