بريطانيا في مواجهة الإسلاموفوبيا
تكتسب الخطوات التي تتخذها الحكومة البريطانية لمواجهة العداء للمسلمين أهمية خاصة في مرحلة تتزايد فيها التحديات المرتبطة بالتماسك المجتمعي والتعددية الثقافية والدينية. ويأتي التوجه نحو تعيين ممثل حكومي خاص لمواجهة الإسلاموفوبيا في سياق مساعٍ رسمية لتعزيز الثقة بين الدولة ومختلف مكونات المجتمع البريطاني، وترسيخ مبدأ أن المواطنة المتساوية وحماية الحريات الدينية تشكلان أساس الاستقرار الوطني.
ويأتي تصدر البارونة سعيدة وارسي قائمة المرشحين لهذا المنصب، وفق ما نقلته مجلة «سبيكتاتور»، ليعيد تسليط الضوء على أهمية وجود شخصية تتمتع بالخبرة السياسية والقدرة على التواصل مع المؤسسات الرسمية والمجتمعات الإسلامية، بما يسهم في تحويل المبادرات الحكومية إلى برامج عملية تعالج مظاهر التمييز وخطاب الكراهية.
وتبرز في هذا السياق تصريحات رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، الذي أكد، بحسب ما نقلته التقارير الإعلامية، أن بريطانيا لا تستطيع تحمل «عقد آخر من الانقسام». وهي رسالة تحمل دلالة سياسية واجتماعية مهمة، إذ تضع مسؤولية الحفاظ على وحدة المجتمع في مقدمة الأولويات الوطنية، وتؤكد ضرورة بناء مستقبل يشعر فيه جميع المواطنين، ولا سيما الأجيال الشابة، بأنهم جزء أصيل من الهوية البريطانية.
إن أهمية هذه المبادرة لا تقتصر على حماية المسلمين من الاعتداءات أو التمييز، بل تمتد إلى تعزيز قيم الاحترام المتبادل والتعايش التي يقوم عليها المجتمع البريطاني. فالمسلمون في بريطانيا يمثلون مكوناً فاعلاً في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والأكاديمية، ويسهمون إلى جانب بقية المواطنين في بناء الدولة وخدمة مؤسساتها.
ومن خلال متابعتنا لشؤون الجاليات العربية والإسلامية في بريطانيا، ندرك أهمية التواصل المباشر بين الحكومة والمؤسسات المجتمعية، وضرورة إشراك مختلف الجاليات في الحوار الوطني حول قضايا الاندماج والمساواة ومكافحة الكراهية. فتعزيز الثقة لا يتحقق بالتصريحات وحدها، وإنما بالاستماع إلى المواطنين ومعالجة مخاوفهم وتوفير فرص عادلة للمشاركة في الحياة العامة.
وفي الوقت ذاته، فإن التصدي للإسلاموفوبيا ينبغي أن يسير جنباً إلى جنب مع حماية حرية التعبير ومواجهة جميع أشكال العنصرية والتطرف ومعاداة السامية، لأن قوة المجتمع البريطاني تكمن في قدرته على حماية تنوعه دون المساس بحقوق أي من مكوناته.
إن استحداث هذا المنصب يفتح المجال أمام تعاون أوسع بين الحكومة والسلطات المحلية والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني، خصوصاً في مجالات التعليم والتوعية وحماية دور العبادة والتصدي للتحريض والكراهية عبر المنصات الرقمية.
وتبقى أهمية الخطوة مرتبطة بالصلاحيات التي ستُمنح للممثل الحكومي، ومدى قدرته على متابعة السياسات وتقييم نتائجها على أرض الواقع، بما يضمن أن يشعر المواطن البريطاني، أياً كان دينه أو أصله، بالأمان والانتماء والمساواة أمام القانون.
إن رسالة آندي بيرنهام بشأن عدم قدرة بريطانيا على تحمل عقد آخر من الانقسام تختصر جوهر التحدي الذي تواجهه البلاد؛ فالوحدة الوطنية لا تُبنى بإلغاء الاختلافات، وإنما باحترامها، ولا تتحقق بمواجهة الكراهية بالكراهية، بل بإعلاء القانون والعدالة وقيم المواطنة.
وبريطانيا التي استطاعت عبر تاريخها استيعاب ثقافات وأديان متعددة، تقف اليوم أمام مسؤولية مواصلة حماية هذا الإرث الإنساني والديمقراطي، وترسيخ مجتمع يشعر فيه الجميع بأن اختلاف أصولهم ومعتقداتهم مصدر غنى وقوة، وليس سبباً للخوف أو الانقسام.