علي عنبة... صوت اليمن الباقي رغم الرحيل

22 October 2025
الفنان علي عنبة رحل في 11 أكتوبر 2025 (وسائل التواصل)
الفنان علي عنبة رحل في 11 أكتوبر 2025 (وسائل التواصل)
thabet.huda@gmail.com
هدى ثابت صبر
تابع الكاتب عبر :

غاب عنّا صوت اليمن الأصيل، الفنان علي عنبة، الذي وافته المنية فجأة في العاصمة المصرية القاهرة يوم الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إثر نوبة سكر. لم تمهله قاهرة المعز طويلاً؛ فودعها وودعنا الوداع الأخير بعد ثمانية عشر يوماً فقط من وصوله، وخبا صوته وبقي الصدى يملأ الدنيا حنيناً، منهياً برحيله مسيرة فنية امتدت لنحو أربعة عقود كان خلالها أكثر من مجرد فنان؛ كان رمزاً للصوت اليمني الذي يشبه تراب الوطن حين يبتلُّ بالمطر، يحمل صدق الريح وهمس الوديان، ويشعل في الذاكرة شوقًا لكل ما تبقّى من اليمن الجميل. 

ولد عنبة في قلب صنعاء بمحافظة خولان الطيال، بني سحام عام 1978. لم يكن غريباً عليه أن ينشأ في بيتٍ يعرف قيمة الفن، فقد تشرب روح الفن الشعبي اليمني الأصيل، وتدرب على المقامات التي تُغنّى في الأعراس والحقول والجبال والمقاهي. 

تعلم العزف على يد والده، وبدأ رحلته الفنية عام 1988 وهو لم يتجاوز التاسعة. انخرط في العزف والغناء إلى جانب أسماء لامعة، منهم أحمد الحرازي والراحل علي الذرحاني. ليأسس لاحقا  مع شقيقيه بسام ويحيى فرقاً شعبية حققت شهرة واسعة وأحيت الكثير من المناسبات والأعراس في اليمن.

تميز عنبة بـحس فني فطري، كان يغني كما يتنفس، ويطوع الكلمات لتبدو كأنها خُلقت لصوته وحده. وبفضل امتداد صوته وقدرته المذهلة على التحكم بالنغمات، لُقب باستحقاق بـ "صاحب أطول صوت غنائي في اليمن". 

على مدار مسيرة فنية امتدت لنحو 40 عاماً، لم يكن عنبة مجرد مقلد، فقد تفرد بإسلوب مدمج بين الأصالة والمعاصرة التي سيطرت على الإذن الشعبية اليمنية، لقد صوّر في أغانيه الفرح والدمعة، والسعادة والحسرة، وكان صوته يتحدث باسم الفقير واليتيم، حاملاً همومهم وراسماً معاني الحب والسلام لوطن دمرته الحرب، الأهم أنه ارتقى بالغناء الشعبي من مجرد التسلية إلى أن أصبح جزءاً من الهوية، جاعلاً الناس يسمعون الأغنية وكأنهم يسمعون أنفسهم. 

في رصيده الفني كنوز من الأغاني الشهيرة، مثل: "باب المحبة"، "يا هاجري"، "ليلة خميس"، "طاب السمر"، "عزيز النفس"، "والله يا بنت حارتنا"، و"ما عادنيش جمال" وغيرها الكثير . وما يميزه حقا أنه الفنان اليمني الوحيد الذي تعد أغلب أغانيه، إن لم يكن كلها، من ألحانه وأعماله الخاصة، والأول بعد أبو نصار وجيل الرواد، يطلق أغاني تناقش قضايا إجتماعية.  

سافر من قرية إلى قرية، ليجمع الألحان المشاعة والسائبة ويوثقها ويحتفظ بها، ولا يزال يحتفظ بها حتى الآن بألحان وتراث لا مادي لم يسمعه أو يعرفه أحد قط، ليكون مدرسة فنية قائمة بذاتها وذاكرة ثقافية صقلت الأغنية الشعبية وعلّمت الفنانين الشباب أن يغنوا بقلوبهم. 

ليس هذا وحسب، فقد انتزع عنبة ما استطاع من تراثنا الشعبي الهام الذي هاجر به اليهود من اليمن إلى الكيان الصهيوني، ثم أنتجوه وغنّوه بعد سنين طويلة بلسان معوَّج ونصٍ ممسوح وإيقاع أعرج، واستماتوا على اعتباره تراثاً يهودياً جاء مع التوراة، وهو ليس كذلك. وما فعله عنبة في هذا الإطار جعله ليس مجرد مطرب فقط ولكن حارساً أميناً للتراث أيضا، ينسج من خيوط الأصالة ألحاناً تلامس الروح. 

خارج حدود اليمن، كان عنبة خير سفير للفن اليمني، شارك في حفلات كثيرة في ماليزيا وبلجيكا وألمانيا والخليج، وأحبت الجاليات صوته وحضوره العفوي. نال تكريماً في عدد من الدول ومن أشهرها حصوله على جائزة تقديرية من ألمانيا، وكان كل لحنٍ صاغه وكل كلمةٍ غنّاها عنبة تذكيراً بالغربة وبالوطن في الوقت نفسه. 

ترك الفنان الراحل للثقافة الفنية اليمنية إرثاً فنياً فريداً وأسلوباً خاصاً أصبح مدرسة لحنية مستقلة، صيغت من حنين الأرض لا من ورق النوتة. برحيله، لم تفقد اليمن مجرد فنان شعبي، بل فقدت ذاكرة الشارع الذي يغني دون مقابل، ذاكرة الأعراس في القرى، والليالي التي تُضاء بالمصابيح الصغيرة على إيقاع الطبول، ورسائل شوق وعتاب الجدات للأحبة.

 فقدت اليمن الصدق الغنائي الذي لم يُصنع في الاستديوهات وإنما في الحقول وبين الناس. مات علي عنبة بصمتٍ، يشبه أغانيه القديمة التي تعيش في الهواتف ومجالس السمر. مات كأي فنان شعبي بسيط، لا يعرف من الشهرة سوى دفء الناس وحبهم له. 

قال عنبة ذات يوم: «من دمع عيني يكون باب السماء مفتوح»، ولعله كان يُخبرنا دون أن يدري أن الأبواب الكبرى لا تُفتح إلا بدمعٍ صادق. واليوم، من دمع اليمن نفسه، فُتح له باب السماء. رحل علي عنبة، لكن صوته باقٍ، يشبه الوطن حين يغني رغم الألم، ويشبه اليمن حين تنهض من حزنها لتبتسم.