أوروبا.. من يهندس الفوضى؟
لم تعد التحولات السياسية في أوروبا محصورة بصعود اليمين القومي والشعبوي، أو في المواجهة التي يخوضها اليسار والقوى الليبرالية للحد من تمدده فالمشهد يتجاوز التنافس الانتخابي إلى أسئلة أعمق حول مستقبل الديمقراطية الأوروبية، وقدرة المؤسسات على احتواء الغضب الشعبي، ومدى تأثير المصالح الدولية في مسارات التغيير
ومع تصاعد الاستقطاب السياسي والضغوط الاقتصادية، يبرز سؤال يستحق النقاش: هل تشهد أوروبا تحولات نابعة من أزماتها الداخلية، أم أن هذه الأزمات قد تتحول إلى فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مصالح أطراف خارجية؟
لم يعد صعود اليمين الأوروبي ظاهرة هامشية فقد أظهرت انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024 تقدم أحزاب يمينية وقومية في دول عدة، فيما واصلت قوى مناهضة للمؤسسة السياسية توسيع حضورها خلال الانتخابات الوطنية اللاحقة وأشار تحليل للمركز الأوروبي للسياسات، نُشر في يونيو 2026، إلى استمرار الاتجاه العام لصعود اليمين المتطرف والقوى المناهضة للمؤسسة التقليدية
استفادت هذه الأحزاب من مخاوف تتعلق بالهجرة والأمن والهوية الوطنية، إلى جانب تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية والضغوط الاقتصادية التي تواجه شرائح واسعة من المواطنين في المقابل، يجد اليسار الأوروبي والقوى الليبرالية أنفسهم أمام تحدي الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والخدمات العامة، مع ضرورة تقديم حلول عملية لأزمات السكن والأجور والقدرة الشرائية لكن الغضب الشعبي لا يتجه بالضرورة إلى معسكر واحد؛ فقد يدفع بعض المواطنين نحو اليسار طلبًا لمزيد من العدالة الاجتماعية، بينما يتجه آخرون نحو اليمين احتجاجًا على سياسات الحكومات القائمة وهنا تتحول الأزمات إلى ساحة تنافس على تفسير مطالب الشارع وتوجيهها سياسيا.
عندما اندلعت الانتفاضات العربية عام 2011، كانت البطالة والفساد والقمع وغياب المشاركة السياسية من أبرز دوافعها غير أن التحولات التي أعقبتها سرعان ما أصبحت أيضًا مجالًا للتنافس بين قوى محلية وإقليمية ودولية، سعت كل منها إلى التأثير في مستقبل المنطقة وفي هذا السياق، برز مفهوم "الفوضى الخلاقة" في الخطاب السياسي العربي، بوصفه تفسيرًا لمحاولات إعادة تشكيل الشرق الأوسط وقد ارتبط المصطلح بالنقاش حول السياسة الأميركية في المنطقة، خصوصًا في عهد إدارة جورج بوش الابن، التي أعلنت دعمها لنشر الديمقراطية واستخدمت هذا التوجه لتبرير سياسات خارجية مثيرة للجدل في المنطقة.
لكن هناك فارقًا أساسيًا بين توثيق سعي دولة إلى التأثير في التحولات السياسية، والقول إنها خططت مسبقًا لإطلاق انتفاضات شعبية أو التحكم بمآلاتها فالأمر الثاني يحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة، ولا يكفي لإثباته وجود مصالح خارجية أو تشابه بين أحداث مختلفة ومع ذلك تظل التجربة العربية مدخلًا مهمًا لطرح سؤال يتجاوز المنطقة. هل يمكن أن تبدأ التحولات من مظالم حقيقية، ثم تتحول نتائجها إلى ساحة للتنافس على النفوذ؟
تقدم تونس مثالًا مهمًا على العلاقة بين الحركات الشعبية والقوى السياسية المنظمة فقد اندلعت الثورة التونسية أواخر عام 2010، مدفوعة بمظالم اجتماعية واقتصادية وسياسية، وانتهت بسقوط نظام زين العابدين بن علي في يناير 2011 وفي انتخابات أكتوبر من العام نفسه، فازت حركة النهضة الإسلامية بأكبر عدد من مقاعد المجلس الوطني التأسيسي، وشكلت حكومة ائتلافية مع حزبين آخرين تكشف هذه التجربة أن القوى التي تحقق أكبر المكاسب السياسية بعد الاحتجاجات ليست بالضرورة القوى التي أطلقت شرارتها الأولى فقد تتمكن الأحزاب الأكثر تنظيمًا من استثمار التحولات الشعبية، وتوظيف حضورها السياسي والاجتماعي لتحقيق مكاسب انتخابية
لكن صعود حركة النهضة انتخابيًا لا يثبت أن الولايات المتحدة صنعت الثورة التونسية أو رتبت لتسليم السلطة إليها فالولايات المتحدة أعلنت دعمها للمرحلة الانتقالية، وذكرت رسميًا أنها خصصت 40 مليون دولار لدعم جهود الانتقال السياسي في تونس خلال عام 2011، بما شمل المؤسسات والمجتمع المدني والاستعداد للانتخابات وهذا يثبت وجود دعم أميركي معلن، لكنه لا يثبت وجود خطة سرية لإطلاق الثورة أو تمكين حركة بعينها والدرس الأهم هنا هو ضرورة التمييز بين من يصنع الحراك، ومن يستثمر نتائجه، ومن يحاول التأثير في مساره.
لا يعني طرح هذا السؤال أن أوروبا تتجه حتمًا نحو نسخة جديدة من الربيع العربي فالقارة تمتلك أنظمة انتخابية ومؤسسات تتيح تداول السلطة والمحاسبة بدرجات متفاوتة، وهو ما يجعل مسارات التغيير فيها مختلفة عن تجارب عربية عديدة لكن ذلك لا يمنع وجود تنافس دولي على التأثير في الرأي العام، أو محاولات استثمار الانقسامات الاجتماعية والسياسية وقد تناولت دراسات حديثة الروابط المتنامية بين اليمين الأميركي والتيارات اليمينية الأوروبية، إلى جانب أثر إخفاقات الأحزاب التقليدية في تشكيل المشهد السياسي.
من هنا لا ينبغي أن ينحصر السؤال في الجهة التي تقف خلف الاحتجاجات، بل يجب أن يشمل الجهات التي تستفيد من نتائجها، والوسائل التي نستخدمها للتأثير في اتجاهاتها. هل نحن أمام حراك اجتماعي مستقل تتنافس فيه القوى السياسية على استثماره؟ أم أن هناك أطرافًا خارجية تحاول توجيه بعض التحولات بما يتوافق مع مصالحها؟ الإجابة تتطلب أدلة على التمويل والتنسيق والتأثير، لا مجرد افتراضات مبنية على التشابه التاريخي.
قد تكون التحولات الأوروبية انعكاسًا لأزمات داخلية متراكمة، وقد تستفيد منها قوى سياسية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد، فيما تحاول أطراف دولية توظيف نتائجها لخدمة مصالحها لكن ليس كل احتجاج مشروعًا خارجيًا، وليس كل صعود سياسي نتيجة مؤامرة كما أن وجود مصالح دولية لا يلغي قدرة المجتمعات على الفعل المستقل.
إن المقارنة بين الربيع العربي والتحولات الأوروبية لا ينبغي أن تقوم على افتراض أن التاريخ يعيد نفسه، بل على دراسة الكيفية التي تتحول بها الأزمات إلى فرص سياسية، والجهات التي تستطيع استثمارها، وحدود تأثير القوى الخارجية فيها فالسؤال الحقيقي ليس فقط من يملأ الشوارع، بل من يستطيع تحويل الغضب إلى سلطة، ومن يملك القدرة على التأثير في شكل النظام الذي يأتي بعد الأزمة.