عقدة الضحية

18 October 2026
vitoo510gta@icloud.com
أيوب شقّاف
تابع الكاتب عبر :

جميعنا مررنا في حياتنا بمثال نموذجي لصورة الطالب الذي يمضي كل العام الدراسي في اللهو هنا وهناك، ويرمي بالكتب الدراسية عرض الحائط غير مباليا بالمستقبل الزاهر الموعود الذي سيناله فور اجتهاده ومثابرته وانضباطه، فتصدر النتائج معلنة رسوبه وجاعلة منه عبرة لمن لا يعتبر.

سيوجه الرأي العام فوهة بندقيته فورا تجاه هذا المشاكس، مصرحا بأنه قد حصد ما زرع، وقطف ثمار التكاسل والتهاون والتمرد، وأنه ما ظلموه ولكن كان لنفسه ظالم.  وسيتم إجلال وتكريم الطالب الحائز على المركز الأول واعتباره قدوة، على الرغم من إمبرياليته الأنانية التي حرمت أصحاب المركز الثاني والثالث من هذه المكانة المرموقة.

يعود الرأي العام من حفلة التخرج إلى بيته وهو مؤمن إيمانا مطلق بهذه القيم الفاضلة، فمن جد وجد، ومن سعى جنى، ومن طلب العلا سهر الليالي، ومن نام رأى الأحلام.

يجلس وفي يده فنجان قهوة ساخن، وفي اليد الأخرى جهاز التحكم بالتلفاز، وهو يسارع لسماع نشرة الأخبار لكي يطمئن بأن كل شيء يسير وفق مبادئه السامية، وأنه يستطيع النوم وهو مطمئن وواثق بأن الأيام القادمة ستكون مشرقة ومفعمة بالأمل بدون الحاجة لسهر الليالي.

يعلن المذيع في الخبر الأول عن قيام دولة أجنبية لا تقربه لا من قريب ولا من بعيد، بغزو دولة شقيقة قام برسم حدودها محتل آخر قبل مئة سنة، وقيام هذا المحتل الجديد بالسيطرة على كامل حقول النفط المتواجدة في نطاق تلك الحدود، وذلك بعد أن أهملت شقيقته لسنوات طويلة تجهيز جيشها وتطويره وتجهيزه بالتكنولوجيا التي تمكنه من الدفاع عن نفسها.

اقشعر بدن الرأي العام فغير القناة إلى أخرى تبث من خلف البحار، والتي تبث خبر القبض على ناشط سياسي صباح ذلك اليوم، بعد ليلة أمضاها هو في لعب النرد مع رفاقه الذين يصفون أنفسهم بأنهم نخبة، في الوقت الذي كان فيه ضابط صغير الرتبة منغمسا لليالي وأشهر في التخطيط لانقلاب تم ذلك اليوم وسجن فيه الناشط السياسي مع السماح بإدخال طاولة النرد معه إلى السجن.

لم يرق هذا الخبر أيضا للمشاهد الذي رأى فيه انتهاكا صارخا لقيمه النبيلة والعادلة فقام بالتغيير إلى أخرى ليجد تقريرا عن رجل أربعيني يعاني من فقر مدقع يناشد أصحاب الضمير الحي أن يعينوه بعد أن أفنى حياته وهو يفضل صرف كل ما يستلمه من مال على أي شيء عدا استثمارها في شيء يضمن مستقبل جيد له ولأطفاله الذين جاء بهم إلى هذا العالم واحدا تلو الآخر بدون أن يفكر في جودة الحياة التي سيعيشون فيها.

سأم الرأي العام من كل هذه الأخبار البائسة وأغلق التلفاز، وقام عابسا وجلس على الكرسي المقابل للطاولة التي يقبع عليها دفتر ملاحظاته، وكتب: يؤسفني أن أعيش في مثل هذا العالم غير العادل، الذي تسقط فيه دول ضعيفة أمام دول قوية، وأشخاص كسالى وأقل ذكاء أمام أشخاص منضبطين وأكثر ذكاء.

ثم أغلق الدفتر وخلد إلى نومه على أمل أن يستفيق في اليوم التالي ويجد أن الدول الضعيفة والأقل كفاءة هي المسيطرة على الدول العظمى، والأشخاص الكسالى أكثر قوة من المجتهدين الساهرين لليالي.