الاقتصاد الأردني بين المواطن والتقارير
هناك صورتان للاقتصاد الأردني في عام 2026. في الأولى، التي تظهر في تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تبدو المملكة اقتصاداً صامداً في منطقة شديدة الاضطراب: الدينار مستقر، والقطاع المصرفي متين، والاحتياطيات الأجنبية قوية، والتضخم بقي ضمن مستويات محدودة، فيما يواصل الاقتصاد النمو رغم الحرب والاضطرابات الإقليمية. وفي الصورة الثانية، التي يعيشها المواطن يومياً، تبدو الحياة الاقتصادية أكثر صعوبة: دخل محدود، أقساط بنكية، بطالة مرتفعة، وأسعار لم تعد إلى ما كانت عليه قبل سنوات. المفارقة أن الصورتين صحيحتان في الوقت نفسه.
منذ جائحة كورونا لم يدخل الأردن في أزمة اقتصادية أو نقدية شاملة، لكنه أيضاً لم يدخل مرحلة نمو قوية قادرة على إحداث تحول واضح في مستوى معيشة الأسر. يتوقع صندوق النقد أن ينمو الاقتصاد الحقيقي بنحو 2.7 في المئة في 2026، بعد 2.8 في المئة في 2025، مع بقاء التضخم حول 2.5 في المئة. وفي الربع الثاني من العام سجل الاقتصاد نمواً بلغ 3 في المئة. لكن النمو الاقتصادي لا يصل إلى كل جيب بالطريقة نفسها.
تظل البطالة واحدة من أكثر الحقائق التي تفسر هذا الشعور. ففي الربع الثاني من 2026 بلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21 في المئة، رغم تراجعه قليلاً عن العام السابق. وهذا يعني أن الاقتصاد يستطيع أن ينمو، وأن يظل مستقراً مالياً، بينما يبقى واحد من كل خمسة أردنيين تقريباً من أفراد القوى العاملة خارج سوق العمل.
وهنا تبدأ المسافة بين لغة التقارير الدولية ولغة المواطن. فالتقرير ينظر إلى معدل النمو، بينما ينظر الشاب إلى الوظيفة. وينظر إلى استقرار الدينار، بينما تنظر الأسرة إلى ما تبقى من الراتب بعد الإيجار والقسط والطعام والنقل.
والأمر نفسه ينطبق على التضخم. فقد بلغ التضخم خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 2.20 في المئة، وهي نسبة معتدلة وفق المعايير الاقتصادية، فيما بلغ على أساس سنوي في أغسطس 2.66 في المئة. لكن انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار؛ إنه يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ. السعر الذي ارتفع خلال السنوات الماضية لا يعود تلقائياً إلى مستواه القديم عندما ينخفض التضخم. وهذا أحد أهم أسباب شعور المواطن بأن الأرقام الرسمية لا تشبه حياته.
الأردن لم يخرج من جائحة كورونا ليجد بيئة إقليمية مستقرة. فالحرب السورية منذ 2011 فرضت على المملكة عبئاً طويلاً يتعلق باستضافة اللاجئين والضغط على المياه والتعليم والصحة والبنية التحتية وسوق العمل. وقد أكد صندوق النقد في 2026 أن استمرار الدعم الدولي مهم لمساعدة الأردن على تحمل كلفة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين.
ثم جاءت حرب غزة في أكتوبر 2023، لتضيف ضغطاً على السياحة والتجارة والنقل، وتزامنت مع اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر التي رفعت تكاليف الشحن والتأمين وأثرت في حركة التجارة عبر المنطقة. لكن عام 2026 نقل الصدمة إلى مستوى جديد. فالحرب الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد مجرد عامل جيوسياسي على حدود الاقتصاد الأردني، بل تحولت إلى صدمة فعلية في الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد. وقد توقع صندوق النقد أن يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتكاليف الشحن والتأمين والطاقة المستوردة إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الأردني، مع اتساع عجز الحساب الجاري إلى نحو 7.4 في المئة من الناتج المحلي في 2026.
وكان مضيق هرمز جزءاً أساسياً من هذه الأزمة. فكل اضطراب في واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم ينعكس سريعاً على أسعار النفط والنقل والتأمين، حتى لو لم تكن كل واردات الأردن من الطاقة تمر مباشرة عبر المضيق.
والأردن واجه بالفعل آثار هذه الصدمة. فقد قررت الحكومة في 2026 التدرج في عكس الارتفاعات العالمية لأسعار المحروقات، وتحملت الخزينة فروقات سعرية بلغت نحو 212 مليون دينار حتى نهاية يوليو، ثم نحو 224 مليون دينار عند تسعيرة سبتمبر. هذه السياسة خففت انتقال الصدمة كاملة إلى المستهلك، لكنها في الوقت نفسه نقلت جزءاً من الكلفة من الأسر إلى المالية العامة. وهنا تظهر مفارقة أخرى: عندما تحمي الحكومة المواطن من ارتفاع أسعار الوقود، فهي لا تلغي تكلفة الأزمة، وإنما تتحمل جزءاً منها بدلاً منه.
الدين هو قصة أخرى تجمع بين الدولة والمواطن. يقدر صندوق النقد الدين الحكومي والمضمون بنحو 108.7 في المئة من الناتج المحلي في 2026، أو 82.5 في المئة بعد استبعاد حيازات مؤسسة الضمان الاجتماعي، مع هدف خفض النسبة الأخيرة إلى نحو 80 في المئة بحلول 2028. وهذه الأرقام لا تعني أن الأردن على طريق الانهيار؛ بل إن صندوق النقد يؤكد استمرار الاستقرار المالي والمصرفي. لكنها تعني أن مساحة المناورة المالية للدولة ليست واسعة.
وفي الطرف الآخر توجد ديون الأسر. فقد بلغت التسهيلات الائتمانية الممنوحة للأسر من القطاع المصرفي نحو 14 مليار دينار في نهاية 2024، وفق البنك المركزي الأردني. وليس كل قرض مشكلة، فالقروض السكنية مثلاً قد تكون استثماراً طويل الأجل. لكن ارتفاع الاعتماد على الائتمان يكشف جانباً مهماً من الاقتصاد الذي لا يظهر في معدل التضخم أو النمو: قدرة الأسرة على تمويل حياتها من دخلها الجاري.
المشكلة ليست أن الأردن اقتصاد منهار. الأدلة لا تقول ذلك. صندوق النقد يؤكد أن القطاع المصرفي سليم، وأن الاحتياطيات الخارجية قوية، وأن ربط الدينار بالدولار ما زال يمثل ركناً أساسياً للاستقرار النقدي. لكن السؤال الذي يهم المواطن مختلف. هل يستطيع راتبه أن يغطي حياته من دون اقتراض مستمر؟ هل يستطيع الشاب أن يجد وظيفة بعد سنوات الدراسة؟ هل يستطيع الموظف أن يدخر؟ وهل يستطيع المتقاعد أن ينظر إلى السنوات المقبلة بثقة؟
هنا تحديداً تقع الفجوة. التقارير الدولية تقيس قدرة الأردن على الصمود أمام الصدمات، وهي قدرة حقيقية لا ينبغي إنكارها. أما المواطن فيقيس قدرة الاقتصاد على تحسين حياته، وهذه قصة لم تكتمل بعد. لذلك ربما لا تكون المشكلة الاقتصادية الأردنية في أن الأرقام الرسمية خاطئة، بل في أنها تجيب عن سؤال مختلف. فهي تقول إن الاقتصاد مستقر، بينما يسأل المواطن: هل أنا مستقر؟
الفرق بين السؤالين هو، في النهاية، الفرق بين اقتصاد يستطيع تجنب الانهيار واقتصاد يستطيع أن يمنح الناس حياة أكثر أمناً. الأردن نجح خلال السنوات الماضية في حماية استقراره وسط أزمات متتالية. أما التحدي الأكبر في السنوات المقبلة فلن يكون فقط الحفاظ على هذا الاستقرار، بل تحويله إلى نمو أسرع، ووظائف أكثر، ودخول أفضل، وحاجة أقل إلى الاقتراض. فالمواطن لا يريد اقتصاداً لا ينهار فحسب؛ يريد اقتصاداً يستطيع أن يعيش منه.