ماذا لو لم تكن الوحدة الوطنية هى الحل؟
ماذا لو لم تكن الوحدة الوطنية هي الحل؟
لا تُختبر قوة أي نظام سياسي عندما يتفق الجميع، بل عندما يختلفون.
عامًا تلو الآخر، تتراجع القضية الفلسطينية في سلم الأولويات العالمية والإقليمية، ناهيك بما حصل وما يحصل في غزة والضفة. ومع ذلك، ما زلنا نتعلق بحبال الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، ظنًا منا أن ذلك هو السبيل الوحيد لاستعادة قوة الموقف الفلسطيني. لا خلاف على أهمية ذلك، لكن ماذا لو كانت المشكلة أعمق من غياب الوحدة نفسها؟
لا يفتقر النظام السياسي الفلسطيني إلى القوانين أو المؤسسات أو القواعد المنظمة للحياة السياسية. وعلى رغم ذلك، ما زال أي اختلاف داخله يشكل معضلة حقيقية.
وربما يُعد ذلك أحد أهم التفسيرات لتعثر محاولات المصالحة المتكررة. فالاختلاف بين فصيل وآخر لن ينتهي باتفاق جديد، ولا يُفترض أصلًا أن ينتهي. فلماذا يصبح اختلافنا السياسي، في كل مرة تقريبًا، أزمة في النظام نفسه، ويؤدي إلى انقسام الوطن برمته؟
الإجابة عن هذا السؤال أن الخلاف عندنا لا يبقى داخل حدود النظام السياسي، بل سرعان ما ينتقل إلى مؤسساته وأدواته. وبكلمات أخرى، عندما يكون هذا الفصيل أو ذاك أقوى من المؤسسة، وقادرًا على تعطيلها، يتحول الخلاف من تنافس سياسي يمكن إدارته إلى صراع يهدد النظام نفسه.
يجب أن ندرك أن النظام السياسي القادر على الاستمرار ليس الذي يمنع الخلاف، بل الذي تبقى مؤسساته وقواعده أقوى من الخلاف. لذلك، ربما لم يعد السؤال المنطقي: كيف نتفق؟ بل: كيف نجعل النظام السياسي قادرًا على الاستمرار عندما لا نتفق؟
هنا يصبح المطلوب أكثر من مصالحة بين الفصائل. المطلوب بناء قواعد لا يتوقف احترامها على رضا هذا الطرف أو ذاك: انتخابات دورية، ومؤسسات تستمر في أداء وظائفها، وقضاء مستقل، وفصل واضح للصلاحيات، وقواعد ملزمة لتداول السلطة. بحيث لا يمتلك أي طرف القدرة على تعطيل النظام عندما لا تخدمه نتائجه.
لا يعني هذا التقليل من أهمية الوحدة الوطنية، بل إعادة تعريفها. فالوحدة الحقيقية لا تعني أن نتبنى البرنامج السياسي نفسه أو أن تختفي خلافاتنا، وإنما أن نتفق على كيفية إدارة هذه الخلافات، وعلى حدود لا يحق لأي طرف تجاوزها مهما اشتد الصراع السياسي.
وبكلمات أكثر اختصارًا وأقل تجريدًا، المشكلة ليست غياب قواعد اللعبة السياسية أو عدم الاتفاق عليها، بل إننا لم ننجح حتى الآن في جعل هذه القواعد أقوى من اللاعبين أنفسهم. والمحزن أنها لن تكون كذلك طالما ظل لكل لاعب أدواته الخاصة التي تساعده على تجاوز هذه القواعد كلما تعارضت معها مصالحه.
ربما حان الوقت للانتقال من البحث الدائم عن وحدة المواقف إلى بناء وحدة القواعد. فالفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى نظام لا يختلفون داخله، بل إلى نظام يستطيعون الاختلاف داخله من دون أن ينهار.