من قتل الديناصورات؟
في شتاء عام 1980، كان مدرس العلوم الطبيعية للصف الثالث الثانوي العلمي في مدرسة المتنبي بمدينة إدلب شمال غربي سوريا، يُتحفنا بأبيات من الشعر يحفظ آلافاً منها. وبما أن لكل امرئ من اسمه نصيباً، كان اسم مدرسنا حافظ إبراهيم، على اسم الشاعر المصري المعروف. وكان يفتتح كل درس بأبيات من ذاكرته.
قال في ذلك اليوم من شعر التونسي أبو القاسم الشابي "إذا ما طمحتُ إلى غاية/ ركبتُ المنى ونسيتُ الحذر. ولم أتجنب وعور الشعاب/ ولا كُبّة اللهب المستعر. ومن لا يحبُّ صعود الجبال/ يعش أبد الدهر بين الحُفر".
بعد الانتهاء من إلقاء أبيات الشابي، سأل "من عنده سؤال خارج المنهاج". رفعت يدي. قال "تفضّل". سألت "من قتل الديناصورات؟". وأعتقد، بعد تلك العقود التي مضت، أن جوابه كان على الشكل التالي: خلال العصر الطباشيري، قبل نحو 66 مليون سنة، تسبب اصطدام هائل في حدث انقراض جماعي قضى على نحو ثلاثة أرباع أنواع النباتات والحيوانات على الأرض، بما في ذلك الديناصورات، وهي حيوانات ضخمة ومتنوعة الأشكال. وأطلق العلماء على النيزك الذي تسبب في هذا الدمار اسم نيزك تشيكسولوب، نسبةً إلى بلدة تشيكسولوب بويبلو القريبة في شبه جزيرة يوكاتان جنوب المكسيك. وقد ترك الاصطدام أثره بوضوح، إذ شكّل فوهة يبلغ عرضها 180 كيلومتراً مدفونة تحت سطح الأرض، وأوجد آلافاً من الحفر الجيرية المليئة بالماء المعروفة باسم سينوتات.
واليوم، ونحن في منتصف العقد الثالث من القرن الـ21، يقترب علماء الأرض من تحديد نوع النيزك الذي تسبب في انقراض العصر الطباشيري. ويُحتمل أن يكون هذا النيزك نوعاً نادراً من الصخور الفضائية يُعرف باسم الكوندريت الكربوني. وكما أوضحت ورقة بحثية نُشرت أخيراً في مجلة "العلوم الأميركية"، مكّنهم تحليل متقدم لنظائر النيكل لعينات من مختلف أنحاء العالم من تحديد التركيب الدقيق لنيزك العصر الطباشيري الذي أدى إلى انقراض الديناصورات.
الكويكبات وغيرها من الصخور الفضائية هي في الأساس مواد متبقية من تكوين النظام الشمسي قبل نحو 4.5 مليار سنة. تدخل هذه الأجسام بانتظام الغلاف الجوي للأرض، حيث يحترق معظمها، وينفجر بعضها الآخر في الجو فيما يُعرف بالانفجار الجوي. ومع ذلك، فإن الأجسام الأكبر حجماً، مثل نيزك تشيكسولوب، الذي يُقدر قطره بين 10 و15 كيلومتراً، قد وصل إلى سطح الأرض، مسبباً انفجارات هائلة قذفت كميات كافية من المواد إلى طبقة الستراتوسفير لحجب ضوء الشمس وإحداث ما يشبه الشتاء النووي.
ومن خلال تحليل المواد المتبقية من الاصطدام ومقارنتها بنيازك أخرى عُثر عليها على الأرض، يستطيع العلماء تحديد مصدر النيزك في النظام الشمسي. هذا تحديداً ما سعى إليه أحد الباحثين مع زملاء له في معهد فيزياء الأرض، عند إجراء قياسات دقيقة لنظائر النيكل في عينات طينية تشكلت نتيجة الاصطدام. وجُمعت هذه العينات على مدى سنوات من مواقع متفرقة حول العالم.
وانضم إليهم باحثون من مجموعة علم الآثار والتغيرات البيئية والكيمياء الجيولوجية في جامعة بروكسل الحرة، ومركز المحيط الهادئ لأبحاث النظائر والكيمياء الجيولوجية في جامعة كولومبيا البريطانية، وقسم أبحاث الغلاف الصخري في جامعة فيينا. وقارنوا معاً نظائر النيكل في طبقة الطين بتلك الموجودة في عينات نيزكية أخرى جرى استخراجها على مدى عقود.
واستنتجوا أن نيزكاً كوندريتياً تسبب في حدث الانقراض الجماعي. ورجحوا أنه نشأ من المنطقة الخارجية لحزام الكويكبات الرئيسي، أو حزام كايبر الأبعد، أو مناطق أخرى غنية بالحطام في النظام الشمسي الخارجي. وهذا يجعل النيزك المصطدم من الأنواع النادرة، إذ لا تشكل النيازك الكوندريتية الكربونية سوى 5% من عينات النيازك التي عُثر عليها على الأرض. أما تلك التي تندرج ضمن فئة الكوندريتات الكربونية فتشكل نسبة ضئيلة من هذه المجموعة، لأنها من أقدم الأجسام وأقلها دراسة في النظام الشمسي.
ولا تشبه النيازك الكربونية من فئة الكوندريتات الكربونية النيازك النموذجية الموجودة في مجموعات المتاحف. إذ تحتوي على عناصر متطايرة أقل بكثير، كالكربون والزنك والماء، وخاصة الكبريت، مقارنة بأنواع النيازك الأخرى التي اكتُشفت على الأرض حتى الآن. ولا يغير ذلك النظرية بشأن سبب الانقراض، لكنه يقلل من احتمال أن يكون الكبريت في الجسم الصادم هو السبب الرئيس. وعلى الأرجح كان الحطام الدقيق المتناثر في الغلاف الجوي العامل الأساسي. ورغم بقاء تساؤلات حول أصول النيزك، فقد ساهمت هذه الدراسة في تضييق نطاقها. وقد تكون البيانات التي جرى الحصول عليها مفيدة في التنبؤ بالاصطدامات المحتملة مستقبلاً ووضع استراتيجيات لحماية الأرض من هذه الأجسام.