في سرعة انتشار الذكاء الاصطناعي

12 October 2026
raed.ruh@gmail.com
رائد عبدالله الزهراني
تابع الكاتب عبر :

في 30 نوفمبر 2022، ظهر ChatGPT للعالم كـ "أداة بحثية" بسيطة نسبيًا.لم يكن هاتفًا جديدًا، ولا منصة تواصل اجتماعي، ولا محرك بحث تقليديًا.لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفًا وسريع للغاية.

خلال سنوات قليلة، انتقل الذكاء الاصطناعي التوليدي من تجربة تقنية جديدة إلى أداة تدخل في الدراسة والعمل والبحث والبرمجة وصناعة المحتوى وحتى المهام اليومية. والرقم الذي يستحق التوقف عنده ليس عدد مستخدمي تطبيق واحد بل سرعة انتشار التقنية نفسها.

بحسب Stanford AI Index 2026، وصل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى نحو 53% من الانتشار على مستوى السكان خلال ثلاث سنوات فقط، وهي وتيرة أسرع من المسارات التاريخية المبكرة لانتشار الحاسب الشخصي والإنترنت. والأكثر إثارة أن تكلفة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي انخفضت بصورة هائلة.

فبحسب AI Index 2025، انخفضت تكلفة الاستعلام عن نموذج يحقق أداءً مكافئًا لـGPT-3.5 على معيار MMLU من 20 دولارًا إلى 0.07 دولار لكل مليون وحدة نصية (Token) بين نوفمبر 2022 وأكتوبر 2024، أي انخفاض بأكثر من 280 مرة خلال نحو 18 شهرًا.

لكن خلف هذه الأرقام توجد قصة أكبر بكثير من الذكاء الاصطناعي نفسه. إنها قصة البيانات. فنحن نعيش في عالم ينتج البيانات على نطاق غير مسبوق. كل عملية شراء، وكل بحث، وكل صورة، وكل معاملة إلكترونية، وكل تفاعل مع خدمة رقمية يمكن أن ينتج بيانات.

لكن البيانات في حد ذاتها ليست الثروة. القيمة تبدأ عندما نستطيع تنظيمها، وحمايتها، وتحليلها، وتحويلها إلى معرفة… ثم إلى قرار أو خدمة أو منتج. وهنا يظهر السؤال الأهم:  من يملك البيانات؟ ومن يملك البنية التحتية القادرة على تحويلها إلى قيمة؟

قد تمتلك مؤسسة ملايين السجلات والبيانات، لكن إذا كانت هذه البيانات موزعة بين أنظمة منفصلة، أو ضعيفة الجودة، أو يصعب الوصول إليها وتحليلها، فإن حجمها وحده لا يصنع قيمة حقيقية.

وفي المقابل، فإن امتلاك بنية تحتية قوية، وحوسبة سحابية، ومراكز بيانات، وأمن سيبراني، وحوكمة بيانات، ونماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، يفتح الطريق لتحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية وتشغيلية حقيقية.

ومن زاوية تقنية بحتة، هناك شيء يستحق التأمل: الذكاء الاصطناعي الذي نراه على الشاشة ليس إلا الجزء المرئي من منظومة ضخمة تعمل خلفه.

خلف كل إجابة نحصل عليها، وكل نموذج متقدم نستخدمه، توجد طبقات من البنية التحتية: حوسبة، وتخزين، وشبكات، وأنظمة تشغيل، وسحابة، وحماية، وهويات وصلاحيات، ونسخ احتياطي، واستمرارية أعمال.

وربما لهذا السبب أميل إلى النظر إلى ثورة الذكاء الاصطناعي من زاوية مختلفة قليلًا: ليس فقط ماذا يستطيع النموذج أن يفعل، بل ماذا تحتاج المنظومة كاملة حتى تجعل ذلك ممكنًا ومستقرًا وآمنًا على أرض الواقع.

فالانتقال من نموذج تجريبي إلى خدمة يعتمد عليها ملايين المستخدمين لا يحتاج «ذكاءً» فقط، بل يحتاج Infrastructure تستطيع تحمّل النمو، وCloud تستطيع التوسع، وCybersecurity تستطيع الحماية، وOperations تستطيع ضمان الاستمرارية. وهنا يبدأ التحول الحقيقي. الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية. إنه أصبح جزءًا من البنية الاقتصادية والاستراتيجية للعالم.

ولا يقتصر التحول على الأفراد. فبحسب Stanford AI Index 2026، ارتفع تبنّي الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات إلى 88% من المؤسسات التي شملها القياس، ما يعكس انتقال التقنية من مرحلة التجربة إلى الاستخدام الفعلي داخل بيئات الأعمال. وهذا يفسر لماذا أصبحت البيانات والذكاء الاصطناعي أولوية وطنية واقتصادية للعديد من الدول.

في المملكة العربية السعودية، تضع الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي أهدافًا طموحة، من بينها أن تكون المملكة ضمن أفضل 15 دولة عالميًا في الذكاء الاصطناعي، واستقطاب نحو 75 مليار ريال من الاستثمارات في البيانات والذكاء الاصطناعي، وتطوير أكثر من 20 ألف متخصص وخبير، وتحفيز إنشاء أكثر من 300 شركة ناشئة في المجال.

ومن هنا تأتي أهمية المشاريع التي تبني البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل المملكة. فشركة HUMAIN، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، وبنية حوسبة عالية الأداء، ومنصات سحابية، ونماذج ذكاء اصطناعي وحلولًا تطبيقية. كما أعلنت الشركة عن شراكات مرتبطة بالبنية التحتية والاتصال لدعم منظومة الذكاء الاصطناعي في المملكة.

وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا. المنافسة القادمة لن تكون فقط على من يملك النموذج الأذكى، بل أيضًا على من يملك البيانات الأفضل؟ من يملك الحوسبة الأقوى؟ من يملك البنية التحتية الأكثر كفاءة؟ من يستطيع حماية بياناته؟ ومن يملك الكفاءات القادرة على تحويل كل ذلك إلى قيمة؟ فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ.

خلف كل نموذج متقدم توجد مراكز بيانات، وحوسبة، وشبكات، وتخزين، وسحابة، وطاقة، وأمن سيبراني، وإدارة هوية وصلاحيات، واستمرارية أعمال، وحوكمة للبيانات. كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر تقدمًا، أصبحت البنية التحتية التي تقف خلفه أكثر أهمية. ولهذا أعتقد أن السنوات القادمة ستشهد تحولًا في مفهوم "البنية التحتية الرقمية". لن تكون مجرد خوادم وشبكات وأنظمة تشغيل. بل ستصبح جزءًا من المنظومة التي تنتج البيانات، وتحميها، وتعالجها، وتحوّلها إلى معرفة وقرارات وخدمات.

ربما لا يكون السؤال الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل، بل ماذا نستطيع نحن أن نفعل بالبيانات التي نملكها، والبنية التحتية التي نبنيها، والذكاء الاصطناعي الذي نطوره؟، لأن المنافسة الاقتصادية القادمة قد لا تكون فقط بين من يملك أكبر عدد من المصانع أو أكبر حجم من الموارد، بل بين من يستطيع أن يحوّل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات، والقرارات إلى قيمة.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: من لديه الذكاء الاصطناعي، بل من لديه البيانات والبنية التحتية والقدرات التي تجعل الذكاء الاصطناعي أكثر قيمة؟