غزة بعد الحرب... بين حسابات القوة وموازين الخسارة
بعد انتهاء الحرب الأخيرة على غزة، تتكثف القراءات السياسية والعسكرية في محاولة لفهم مخرجات واحدة من أكثر جولات الصراع تعقيداً منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948. وبينما أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها حققت "أهدافاً جزئية" تتعلق بإضعاف قدرات الفصائل المسلحة، تبدو الصورة الميدانية والسياسية أكثر تعقيداً، إذ تتقاطع فيها مؤشرات الانتصار التكتيكي مع ملامح التراجع الإستراتيجي.
تحدثت القيادة الإسرائيلية عن أهداف محددة: استعادة الأسرى، وتدمير بنية حركة "حماس"، وإعادة فرض السيطرة على القطاع إذا لزم الأمر. غير أن الوقائع على الأرض سرعان ما أظهرت صعوبة تحقيق هذه الأهداف، إذ لم تتمكن إسرائيل من تحرير أسراها بالقوة، ولم تستطع البقاء داخل غزة أو فرض واقع أمني جديد فيها. كما لم تفلح محاولات تهجير السكان أو القضاء الكامل على الفصائل المسلحة.
أما الأهداف السياسية الأوسع، مثل نزع سلاح "حماس" أو إقامة إدارة محلية بديلة مدعومة إقليمياً، فقد بقيت حبراً على ورق. ومع مرور الوقت، تحولت العملية من مشروع لـ"استعادة الردع" إلى عبء داخلي ألقى بظلاله على المشهد السياسي الإسرائيلي، الذي يشهد انقساماً متزايداً بين القيادة العسكرية والحكومة.
وتشير تقارير المراقبين إلى خسائر كبيرة تكبّدها الجيش الإسرائيلي، شملت تدمير مئات الآليات والدبابات، وسقوط أعداد ملحوظة من القتلى والجرحى، فضلاً عن ارتفاع الحالات النفسية بين الجنود نتيجة طول فترة القتال وشدته.
اقتصادياً، انعكست الحرب على معدلات النمو والاستثمار والسياحة، فيما واجهت الحكومة ضغوطاً اجتماعية متنامية تمثلت في اتساع رقعة الاحتجاجات، والمطالب المتزايدة بتشكيل لجان تحقيق لتقييم الأداءين العسكري والسياسي خلال المعارك.
بالمقابل، ورغم الدمار الواسع والمعاناة الإنسانية العميقة، نجحت الفصائل الفلسطينية في الحفاظ على بنيتها الأساسية وقدرتها على القتال. وتمكنت، في مراحل لاحقة، من فرض شروطها في بعض المسارات التفاوضية، خصوصاً ملف الأسرى الذي انتهى بإطلاق سراح أكثر من أربعة آلاف أسير فلسطيني عبر اتفاقات متتابعة.
سياسياً، أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي بعد سنوات من التراجع. كما أدت إلى تباطؤ ملحوظ في مسار مشاريع التطبيع الإقليمي التي كانت تمضي بوتيرة متسارعة. وبذلك، عادت غزة لتشكّل "الرقم الصعب" في معادلة الشرق الأوسط، لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مقبلة.
من أبرز مخرجات الحرب تراجع صورة إسرائيل على الساحة الدولية، إذ واجهت انتقادات واسعة في الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الغربية بسبب حجم العمليات العسكرية في المناطق المدنية. وتزايدت الدعوات لفتح تحقيقات في "انتهاكات محتملة للقانون الدولي"، ما وضع تل أبيب في موقف دفاعي أمام الرأي العام العالمي. في المقابل، تمكنت الفصائل الفلسطينية من كسب مساحات جديدة من التعاطف الدولي، وأسهمت الحرب في تجديد النقاش حول ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود عام 1967، وهو طرح كان قد تراجع في السنوات الأخيرة.
بين قراءة النصر والهزيمة تتباين التقييمات حول نتائج الحرب، فثمة من يرى أن المقاومة خرجت منها أكثر حضوراً على المستويين السياسي والمعنوي، فيما يرى آخرون أن الكلفة الإنسانية الباهظة تجعل الحديث عن "النصر" أمراً نسبياً ومحدود الأثر. لكن ما يبدو واضحاً هو أن إسرائيل لم تحقق أهدافها الإستراتيجية المعلنة، وأن غزة، رغم الدمار، لم تفقد قدرتها على فرض المعادلة.
ختاما، الحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو بحجم الأنقاض، بل بقدرة الأطراف على تغيير قواعد اللعبة. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الحرب الأخيرة على غزة، مهما كانت خسائرها، قد أعادت رسم ملامح الصراع، ووضعت القيادة الإسرائيلية أمام مراجعة داخلية قاسية، فيما منحت المقاومة الفلسطينية موقعاً تفاوضياً أقوى من ذي قبل. وهكذا، تحوّل القطاع من منطقة محاصرة إلى فاعل أساسي في معادلة الأمن والسياسة في المنطقة.