لا تختصر إنساناً في كلمة

24 September 2026
ما وراء كلمة مشرَّد
ما وراء كلمة مشرَّد
ramyridha@gmail.com
رامي رضا
تابع الكاتب عبر :

الرجل الذي لم يعد أحد يراه: رجل تحت شجرة

هناك رجل مشرَّد أراه كثيراً في منطقتي. أغلب الوقت يجلس على الكرسي نفسه تحت الشجرة، وأحياناً أراه نائماً عليه، حتى في عز البرد.

يبدو في أغلب الأحيان متأثراً بالشرب، الله أعلم. أظنه في حدود الستين. يحمل معه دائماً حقيبة صغيرة، ووجهه ممتلئ بالتعب والبؤس والنقمة، كأن الدنيا مرّت عليه ولم تترك فيه شيئاً إلا وأثقلته.

ومع ذلك أشعر أن في عينيه شيئاً من عزة النفس. نظراته ليست نظرات متسول. والغريب أن النظرات المتسولة، وتلك العيون التي لا ترى في نفسها كرامة، قد تجدها أحياناً لدى أشخاص غير مشرَّدين، بل ربما لدى أشخاص يملكون الكثير.

الشجرة التي لا تسأل

أحياناً أشعر أن هذا الرجل يجد أماناً تحت الشجرة أكثر مما يجده بين البشر. الشجرة لا تسأله من أنت ولا لماذا وصلت إلى هنا، ولا ماذا فعلت بحياتك. لا تحاكمه ولا تطلب منه أن يتغير. تقبله كما هو، حتى في أسوأ حالاته. ربما لهذا يجلس تحتها كل هذا الوقت.

بشر يمرون بجانب بشر

المؤسف أن مثل هذه المشاهد أصبحت جزءاً عادياً من حياتنا في ألمانيا. يمر الناس من جانب شخص مشرَّد كأنه غير موجود. كأنه شفاف.

لا أحد يعرف إن كان نائماً أو مغمى عليه أو مريضاً أو سكراناً. قد يبقى ممدداً لساعات في المكان نفسه، ولا يقترب منه أحد. وربما لا ينتبه إليه أحد إلا إذا طال الأمر أكثر من المعتاد.

وأحياناً أفكر: ماذا لو كان قد مات فعلاً ولم يشعر به أحد؟ صارت رؤية الإنسان المستلقي في الشارع أمراً مألوفاً إلى درجة أننا لم نعد نراه.

وراء كلمة مشرَّد

صحيح أن هناك مهاجع وأماكن مخصصة للمشرَّدين يستطيعون النوم فيها، لكن بعضهم لا يقبل الذهاب إليها. ربما لا يريد أن يفرض عليه أحد شيئاً، ولا يريد قوانين أو قيوداً.

وحتى من يريد المساعدة، ليست هناك دائماً أماكن متاحة. لكن هذا الرجل لا بد أن لديه قصة.

كان في يوم من الأيام إنساناً طبيعياً مثلنا. عاش حياة، وكانت له علاقات وأيام جيدة وأيام سيئة. ربما أحب وربما أحبه أحد. ربما كان أباً أو صديقاً، وربما كانت له مواقف شجاعة ونبيلة لا نعرف عنها شيئاً.

فماذا حدث؟ ما الذي كسره إلى هذا الحد؟ وما الذي أوصله إلى هذا المكان؟

الله وحده يعرف. عالم بعيد عن عالمنا

تخيّل أن هذا الرجل ربما لا يعرف شيئاً عن العالم الذي نحن غارقون فيه. لا هاتف في يده، ولا فيسبوك ولا واتساب ولا أخبار، ولا ذلك السيل المستمر من الصور والأصوات والآراء. له عالمه الخاص، يعيش فيه وحيداً، ومنعزلاً عن أشياء كثيرة نعتبرها جزءاً طبيعياً من حياتنا.

نحن نعيش وسط الناس. نتواصل ونتحدث، ونتابع ما يحدث حولنا، ونشارك العالم التفاصيل الصغيرة والكبيرة. لكن عندما يصل الإنسان إلى مرحلة يفقد فيها السيطرة على حياته، قد يجد نفسه في عالم مختلف تماماً.

عالم لا يشبه عالمنا.

هل كنا سنصمد؟ المخيف أن أي واحد منا يمكن أن يجد نفسه في مكانه إذا مر بالظروف نفسها التي مر بها. لا أحد يعرف إلى أين يمكن أن توصله الحياة. هناك من يقول: هو السبب. هو الذي خرب حياته. هو الذي اختار هذا الطريق.

لكن هل نحن متأكدون؟ لو كنا مكانه، هل كنا سنصمد؟

لسنا جميعاً متشابهين. ليست لدينا القوة نفسها، ولا القدرة نفسها على التحمل، ولا الظروف نفسها.

أنا لا أبرر له كل شيء، ولا أقول إنه بلا مسؤولية عن حياته. لكنني لا أعتقد أيضاً أن المسؤولية تقع كلها على الإنسان وحده.

هناك ظروف وقهر وخسارات ولحظات ضعف، وأشياء قد تضغط على الإنسان حتى ينكسر. هناك من يقاوم أكثر، وهناك من ينكسر أسرع. لكننا نحكم بسرعة.

نختصر حياة إنسان كاملة بكلمة: مدمن أو مشرَّد، ثم نكمل طريقنا. وننسى أنه قبل كل هذه الكلمات، هناك إنسان.

نيكولا

أتذكر مرة تحدثت مع رجل مشرَّد آخر. سألته عن اسمه فقال لي: نيكولا. حفظت اسمه. وبعد فترة رأيته بالصدفة يمشي أمامي. ناديت عليه باسمه قصداً. التفت إلي وابتسم، والفرحة في عينيه. قال لي إن هذا الأمر أسعده، لأنه منذ زمن طويل لم يسمع أحداً يناديه باسمه.

في تلك اللحظة فهمت شيئاً بسيطاً جداً: أحياناً لا يحتاج الإنسان إلى الكثير حتى يشعر بأنه ما زال إنساناً. مجرد أن تناديه باسمه يفرح. كان معي كيس فيه تفاح وموز، فأعطيته منه.

قال لي: لا، شكراً، ربما لديك أولاد لتطعمهم.

قلت له: لا، خذها لك.

أخذ ما يكفيه فقط، ولم يطمع. حاولت أن أعطيه أكثر، لكنه لم يقبل. كان هو المحتاج، ومع ذلك فكّر إن كان ما أعطيته له قد يحتاجه أطفال لدي. خرجت من ذلك الموقف وأنا أفكر فيه كثيراً.

من يملك الكثير ولا يملك شيئاً

في تلك اللحظة شعرت أن هذا الرجل كان أنبل من أشخاص كثيرين يملكون المال وكل شيء تقريباً، ومع ذلك لا يشبعون من الأخذ.

ليس كل من يملك كثيراً كريماً، وليس كل من فقد كل شيء فقد إنسانيته. أحياناً تجد الكرامة في المكان الذي لا تتوقع أن تجدها فيه.

ليسوا مجرد مشرَّدين

لا أعرف كيف كانت حياة كل واحد من هؤلاء الناس قبل أن نراهم في الشارع. لكنني متأكد أن كثيراً منهم لم يولدوا مشرَّدين.

كان لكل واحد منهم بيت أو عائلة أو عمل أو أحلام أو شخص يحبه.

وربما كان بينهم أشخاص طيبون، كما كان بينهم أشخاص سيئون. فالإنسان لا يصبح خيراً أو شريراً لمجرد أنه يعيش في الشارع.

وبعضهم قد يعاني من مشكلات نفسية أو إدمان أو صدمات جعلت حياته أكثر تعقيداً، وهذا يجعل حاجتهم إلى المساعدة أكبر، ولا يجعلهم أقل استحقاقاً للإنسانية.

نحن أيضاً

أحياناً عندما أرى أشخاصاً مثل هذا الرجل، أشعر بالخجل من نفسي. ليس لأنني أفضل منه، بل لأنني أتذكر كم نضخم نحن أحياناً مشكلات صغيرة، ونجعل منها نهاية العالم.

نؤذي بعضنا ونخاصم ونغضب، ونعيش داخل فقاعات من التفاهات والصراعات، بينما هناك إنسان قد تكون أكبر أمنيته أن يجد مكاناً آمناً ينام فيه.

الدنيا قاسية بما يكفي، والمؤسف أننا أحياناً نقسو على بعضنا فوق قسوتها. ربما لا نستطيع أن نغير حياة هذا الرجل، لكن يمكننا على الأقل ألا نختصره في كلمة.

أن نراه. أن نتذكر أن له اسماً وقصة، وماضياً لا نعرفه. وأن الإنسان، مهما انكسر، يبقى إنساناً.