كهوف اللاوعي والعبور إلى التفرد البنائي
ماذا لو وُلدت في بقعة أخرى من الأرض، أو في ثقافة مغايرة، أو في بيئة أيديولوجية مختلفة؟ هل سأدافع عما ترسخ لدي من تصورات واعتقادات بالحماس نفسه كما أفعل اليوم؟
كنت أقود السيارة متجهاً إلى مقر عملي. وفي الأثناء دخلت في محادثة مسموعة بعد تلقي مكالمة هاتفية من مدير المدرسة حول البرامج الإثرائية للتعلم، ودفع عجلة التطوير الأدائي عبرها. لكن المفاجئ أنه بعد وقت قصير، وبصورة تلقائية، وجدتني وصلت إلى وجهتي من دون وعي بمجريات الطريق. من كان يقود السيارة: أنا أم جسدي الذي كان يعمل وفق نظام الطيار الآلي؟
هذه المفارقة اليومية ليست مجرد عرض لعقل شارد، بل تعكس كيفية إدارة حياتنا. فالدماغ البشري، حفاظاً على الطاقة، يحول الأفعال المتكررة إلى مسارات عصبية ثابتة.
هذه الآلية البيولوجية تشبه المنظومة الاجتماعية المستخدمة في صناعة الضمير الجمعي، بتعبير عالم الاجتماع إميل دوركايم. تولد الأجيال وتتناسل في بيئات مجهزة بقوالب معبأة بالاعتقادات والأنماط الاستهلاكية والمخاوف المشتركة. وسمّى دوركايم ذلك «الوقائع الاجتماعية» (Social Facts)، وهي قوى خارجة عن ذات الفرد تفرض عليه قهراً ناعماً. ومع التنشئة والتكرار يتبنى الفرد تدريجياً التلقائية السلوكية في معظم قراراته، بدءاً من اختيار تخصصه وتحديد معايير نجاحه، وصولاً إلى أحكامه على الآخرين وسرديات تشكل تصوراته ومعتقداته وردود أفعاله العاطفية.
ولعل أبرز تجسيد لهذه السطوة الخفية ما أثبته دوركايم في دراسته الشهيرة (الانتحار - 1897م)، إذ برهن إحصائياً أن الفعل الأكثر خصوصية في حياة الفرد تحكمه في حقيقته قوى وبنى اجتماعية مسبقة الصنع. وهذا الاتساق ليس سلبياً بالكامل، إذ يمثل صمام أمان للتضامن الاجتماعي (Social Solidarity) الذي يمنح المجتمع تماسكاً واستقراراً. لكنه، مع مرور الوقت، قد يتحول إلى قوالب صماء يُلغى معها التفكير النقدي ومتطلبات المنطق، فيُحبس الإنسان في «القفص الحديدي» (Iron Cage) وفق ماكس فيبر، وتُكبل شخصيته داخل أطر اللاوعي والرتابة البيروقراطية المجردة من المعنى.
وفي السياق نفسه، لسيرورة الزمن آثار كبيرة في تمظهر الهوية فينا، أفراداً وجماعات. وباتت الشخصية أشبه بكيان مبرمج ومطبّع مع البيئة ومحتوياتها. ويرى ماكس فيبر أن معظم الأفراد يقعون تحت طائلة الفعل الاجتماعي التقليدي (Traditional Action)، وهو سلوك يُؤدى انصياعاً للعادات المتوارثة من دون إعمال للفكر الناقد، أو إخضاع الخيارات لأدوات التحليل المنطقي. ينساق الأفراد وراء هذا الإيقاع العالي من التنميط الصوري السائد، فتقع الهوية في ركود الجمود والغياب. عندها تبرز أسئلة وجودية: هل الأفكار التي تدور في عقولنا نتاج وعينا الحر، أم أنها مجرد صدى لبيئتنا؟ وهل توازي قيمتنا الذاتية بالضرورة تلك الصورة الذهنية التي يرانا بها الآخرون؟
انطلاقاً من ذلك، لم تعد فكرة سيطرة اللاشعور على القرارات الإنسانية مجرد أطروحة نظرية ارتبطت بـ«جبل الجليد» لدى سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، بل تحولت إلى حقيقة مخبرية تدعمها أبحاث علم الأعصاب الإدراكي الحديث (Cognitive Neuroscience)، وتؤكدها دراسات علم النفس المعرفي وسلوك المستهلك في جامعة هارفارد. فقرارات الإنسان اليومية واختياراته الاستهلاكية ليست بمعزل عن هويته. وفي هذا السياق، يبيّن البروفيسور جيرالد زالتْمان (Gerald Zaltman) أن نحو 95 في المئة من صيرورة المعالجة العقلية والدوافع المحركة للاختيارات تتشكل في عمق العقل الباطن (اللاواعي)، بينما ينحصر دور العقل الواعي والتحليل العقلاني في المساحة المتبقية التي لا تتجاوز 5 في المئة. وبذلك يقدم الكشف العلمي المعاصر دليلاً على أن المهيمن على المحفزات السلوكية ينبع من آليات لا واعية، ما ينقل مفهوم اللاوعي من إطار تفسيري فلسفي إلى نطاق حقائق بيولوجية وإدراكية قابلة للقياس، ويجعل الإنسان مجرد صدى مكرر لبيئته.
يلتقي هذا الطرح مع ما تناوله غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير» (Crowd Psychology)، ومع ما خلصت إليه تجربة سولومون آش حول الامتثال الاجتماعي (Social Conformity)، من أن معظم قناعات الفرد نتيجة عدوى نفسية واجتماعية يتبناها تجنباً للنبذ من قبل سلطة العقل الجمعي والتأثير الاجتماعي. وأمام هذا القهر البنيوي يجد الإنسان نفسه بين خيارين: التشكل العفوي، أي اللاوعي الخاضع للضمير الجمعي، أو التفرد البنائي، أي الوعي الفردي المستقل.
لا شك أن العقل اللاواعي مهندس خفي في رسم السياقات الذهنية للهوية الاجتماعية، إيجابية كانت أم سلبية. غير أن مصدر القلق، مع عامل الزمن، هو تحول بعض الأعراف والعادات والتقاليد إلى قناعات دوغمائية جامدة وضروريات أيديولوجية تكبل حركة الإنسان. لذلك تبرز «الحماية الذهنية» ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً. وهذه ليست دعوة للقطيعة أو الارتياب، بل حصن معرفي نضعه بيننا وبين الموروث، في محاولة للانتقال بالسلوك من الفعل التقليدي الرتيب (Traditional) إلى الفعل العقلاني المرتبط بالقيم (Value-Rational) عند ماكس فيبر. وهي ممارسة يومية تدفعنا إلى التساؤل قبل الانصياع: هل هذا العرف يغذي إنسانيتي أم يكبلها؟
هي عزلة معنوية عن أصداء الجماهير داخل عقولنا، تتيح التحرر من الاستغراق الكامل في التضامن الآلي للمجتمع، وسماع صوتنا الخاص بوضوح. وبهذا التحول تعود العادات من قوالب مصمتة نُحبس فيها إلى مواد أولية نصوغها وفق بوصلتنا الأخلاقية الذاتية، كما فعل رواد الإصلاح الديني الذين درسهم فيبر في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية - 1905م)، حين غربلوا قيم المجتمع الإقطاعي السائد وأعادوا إنتاجها.
وبالعودة إلى فكرتي التشكل العفوي للفرد وانتظامه البنائي، يبرز البحث عن آلية تجاذب ديناميكية تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع. فالخروج من كهوف التشكل العفوي يستدعي غربلة معرفية للموروث. وهنا تبرز جدلية التجاذب بين مفهوم دوركايم في الحفاظ على التوازن والأمن الأخلاقي للمجتمع، ورؤية فيبر في الفاعلية الفردية (Agency). يبدأ ذلك بالقيم والأخلاق التي لا يمكن التخلي عنها بل إعادة إنتاجها لتواكب العصر، ويمر بالعادات والأعراف التي تحتاج إلى تحسين أو تجاوز إذا ثبت عدم جدواها، ويصل إلى تفكيك الصور النمطية الجاهزة لبناء أحكامنا على معايير الاقتدار والكفاءة.
إن الشعور بالحيرة المعرفية علامة تعافٍ وبداية لليقظة والتأمل. ويساعد رصد الأنماط العالقة في اللاوعي على إدراك الفرق بين صدى الجماعة والصوت الذاتي، ما يستدعي إعادة تعريف مفاهيمنا الفردية بعيداً من الأطر الاجتماعية الجاهزة، عبر التدرج في نقد التنميط. فليس المطلوب ثورة شاملة تقتلع جذور التماسك الاجتماعي وتدخل المجتمع في حالة الأنومي (Anomie) أو غياب المعايير، كما يحذر دوركايم، بل يقظة مستمرة تعيد للفرد فاعليته وقدرته على إحداث التغيير وصناعة المعنى.
في نهاية المطاف، رحلة الخروج من كهوف التشكل العفوي إلى فضاء التفرد البنائي ليست ترفاً فكرياً، بل مسعى لاسترداد الإنسان المستقل فينا. والدعوة هنا ليست إلى القطيعة مع الماضي أو الاغتراب عن المجتمع، بل إلى تصالح واعٍ معه. نحن بحاجة إلى استدعاء مفهوم الضمير الجمعي (Conscience Collective) لدى دوركايم، الذي يحفظ للمجتمع بنيته وتوازنه الأخلاقي. لكننا بحاجة أيضاً إلى عقلانية وفردانية فيبر لتنقذنا من جمود الأنساق المغلقة، كي لا نكون مجرد صدى للأصوات من حولنا، بل أصحاب صوت وفكرة وقرار.
فـ(أنا)، بوصفها أصالة هوية، لا تتجلى في مقدار مطابقتها لنسخ أشخاص آخرين، بل في اللحظة التي نقرر فيها، بوعي ورشد، أن نمسك بزمام أمورنا وفق تفردنا البنائي الحر. ففي ظل سردية اختطاف الوعي تتحول العادات والأعراف والتقاليد، مع مرور الزمن، إلى ضروريات اعتقادية تترسخ كمنظومة قيم ونماذج مثلى يصعب مجابهتها إلا بالتساؤلات الكبرى. وعلى الرغم من أن معظم الأسئلة بلا أجوبة نهائية، ستظل حاضرة في مواجهة نمطية الموروث التاريخي الضالع، إلى حد الانغماس، في تشكيل الشخصية فينا.