إيزابيل أدجاني والهويات القاتلة
إنها غامضة، موهوبة، وجميلة للغاية. هذه بعض الصفات التي يمكن أن تصف إيزابيل أدجاني، تلك الممثلة التي استطاعت، على امتداد مسيرتها الطويلة، أن تجعل من حضورها على الشاشة حالة تتجاوز الجمال والشهرة والنجومية. لكن، هل كانت مجرد وجه جميل؟
كانت أدجاني، منذ سنواتها الأولى، شديدة الاهتمام بالمسرح والأدب، وامتلكت حساسية فنية جعلتها تختار أدوارًا لا تبحث عن الجمال في صورته السطحية، بقدر ما تبحث عن الإنسان في ضعفه وتناقضاته وانكساراته. وربما لهذا السبب تحديدًا بدت شخصياتها، في كثير من أفلامها، مأخوذة من منطقة شديدة العمق في النفس البشرية؛ منطقة الحب غير المتكافئ، والهشاشة، والقلق، والهستيريا، والجنون، والرغبة، والوحدة.
ولعل مفتاحًا مهمًا لفهم هذه التجربة كلها يمكن العثور عليه في مفهوم «الهويات القاتلة» الذي طرحه الكاتب اللبناني أمين معلوف في كتابه الشهير"هويات قاتلة"، الصادر بالفرنسية عام 1998. فالهويات المتعددة قد تكون، في الوقت نفسه، مصدرًا للثراء ومصدرًا للتمزق. وبقدر ما تستطيع أن تمنح الإنسان ثراءً إنسانيًا وثقافيًا واجتماعيًا وحضاريًا، يمكن أن تتحول، حين يُطلب من صاحبها أن يختار هوية واحدة وينكر ما عداها، إلى مصدر دائم للصراع الداخلي. وهنا تكمن أهمية تجربة إيزابيل أدجاني.
يذهب أمين معلوف إلى أن هوية الإنسان ليست مجموعة من الخانات المنفصلة التي يمكن جمعها أو حذف بعضها متى شئنا. فالإنسان لا يكون «نصف» شيء و«نصف» شيء آخر، وإنما تتكون هويته من عناصر متعددة تمتزج بطريقة فريدة لا تتكرر عند شخص آخر. وقد جعل معلوف من تجربته الشخصية، بوصفه لبنانيًا يعيش في فرنسا ويكتب بالفرنسية، مدخلًا أساسيًا لهذه الفكرة.
إنه يرفض السؤال التقليدي: هل أنت فرنسي أم لبناني؟ لأن الإجابة، في رأيه، ليست اختيارًا بين طرفين، وإنما اعتراف بأن الانتماءات المتعددة يمكن أن تجتمع في شخص واحد من دون أن تلغي إحداها الأخرى.
ومن هنا تصبح اللغة أكثر من مجرد وسيلة للتواصل؛ إنها أحد المكونات الأساسية للهوية والانتماء. وقد احتلت مسألة اللغة والتعدد اللغوي مكانة مركزية في قراءة معلوف للهوية، إلى جانب الدين والثقافة والذاكرة والتجربة الشخصية.
هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة حين ننظر إلى المجتمعات التي عاشت تجربة الاستعمار والهجرة، ومنها بلدان شمال أفريقيا التي ارتبط تاريخها الحديث باللغة والثقافة الفرنسية ارتباطًا شديد التعقيد. فاللغة التي كانت في لحظة ما أداة من أدوات السلطة الاستعمارية، أصبحت في لحظة أخرى وسيلة للعبور إلى ثقافة أخرى، وأداة للتعبير والتعلم والكتابة والفن، ومن هنا يأتي السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع الإنسان أن يتصالح مع هويته في عالم لا يزال يموج بالحروب والصراعات التي تغذيها الرغبة في اختزال الآخر إلى هوية واحدة؟ وعلى هذه الأرضية تحديدًا يمكن فهم تفرد حالة إيزابيل أدجاني.
وُلدت إيزابيل ياسمين أدجاني في باريس عام 1955، لأب من أصل جزائري وأم من أصل ألماني. وتنتمي تجربتها الشخصية، منذ البداية، إلى أكثر من فضاء ثقافي، قبل أن تختار لنفسها، بصورة واضحة، الانتماء الفرنسي الذي نشأت داخله فنيًا وثقافيًا. لكن الهوية بالنسبة إليها لم تكن ورقة رسمية ولا جنسية تُكتب في خانة واحدة. كانت ذاكرة عائلية، ولغة، وشوارع، ومهاجرين، وأدبًا، ومسرحًا، وسينما.
وربما لهذا السبب لم تتنكر تمامًا لجذورها الجزائرية، وفي الوقت نفسه لم تتعامل مع نفسها باعتبارها ممثلة جزائرية تعمل في فرنسا. لقد صنعت لنفسها موقعًا أكثر تعقيدًا: امرأة فرنسية ذات جذور جزائرية وألمانية، تحمل داخل تجربتها الشخصية أكثر من ذاكرة وأكثر من مرجعية. وهذه هي المفارقة التي تجعل تجربتها مثيرة للاهتمام. فالشخص الذي يحمل أكثر من هوية قد يشعر أحيانًا بأنه لا ينتمي بصورة كاملة إلى أي واحدة منها، لكنه في المقابل يمتلك قدرة نادرة على العبور بين العوالم.
ربما كان الفن بالنسبة إلى أدجاني هو ذلك المكان الثالث الذي تستطيع فيه الهويات المختلفة أن تتعايش. ففي السينما لم تعد مضطرة إلى اختيار أن تكون فرنسية أو جزائرية أو أوروبية. كانت تستطيع أن تكون كل ذلك، وأن تصبح في الوقت نفسه امرأة أخرى تمامًا: أديل هوجو، وكاميل كلوديل، والملكة مارجو، وشخصيات نسائية أخرى عاشت الحب والهزيمة والجنون والوحدة.
لقد دخلت عالم المسرح في سن مبكرة، والتحقت بالكوميدي فرانسيز وهي في السابعة عشرة من عمرها، لتصبح أصغر مقيمة في تاريخ المؤسسة في ذلك الوقت، قبل أن تترسخ مكانتها في السينما. ثم جاء تعاونها مع فرانسوا تروفو في "قصة أديل 1975"، وهو الدور الذي منحها ترشيحها الأول لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة.
كانت أدجاني في الفيلم امرأة أسيرة حب من طرف واحد، ينتهي بها الأمر إلى الانهيار النفسي. ومنذ ذلك الدور بدا واضحًا أن علاقتها بالشخصية التي تؤديها لا تقوم على التمثيل الخارجي وحده، بل على الغوص في أعماقها المضطربة.
لقد كانت أديل هوجو، مثل كثير من شخصيات أدجاني اللاحقة، امرأة تعيش على الحدود بين الرغبة والواقع، وبين الحب والوهم، وبين الإرادة والعجز. ومن اللافت أن عددًا كبيرًا من أشهر شخصيات أدجاني يحمل شيئًا من هذا التمزق.
في الرباعية (Quartet, 1981)، المأخوذ عن رواية للكاتبة البريطانية جين ريس، قدمت شخصية ماريّا تورنر في أجواء باريسية مشحونة بالهشاشة العاطفية والتوتر. وفي العام نفسه حصلت على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان عن أدائها في «Possession» للمخرج أندريه زولاوسكي، وهي جائزة تشاركتها مع ممثلة الفيلم الآخر Quartet
ثم جاءت «كاميل كلوديل» عام 1988، حيث جسدت النحاتة الفرنسية التي ارتبط اسمها بعلاقة عاصفة مع أوغست رودان. هنا مرة أخرى نجد المرأة الموهوبة التي تصطدم بالمجتمع وبالحب وبحدود ذاتها، وتتحول العبقرية شيئًا فشيئًا إلى مأساة. وكان هذا الدور من الأدوار التي رسخت مكانة أدجاني، ومنحها ترشيحًا ثانيًا لجائزة الأوسكار، كما كان واحدًا من أدوارها التي أكدت قدرتها الاستثنائية على تجسيد الشخصيات النسائية المضطربة.
أما في "الملكة مارجو" للمخرج باتريس شيرو، فقد دخلت عالمًا تاريخيًا شديد العنف، هو فرنسا القرن السادس عشر، حيث الصراع الديني والسياسي والمؤامرات الملكية ومذبحة سان بارتيليمي.
واللافت هنا أن أدجاني لا تؤدي مجرد شخصية تاريخية؛ إنها تؤدي امرأة محاصرة داخل نظام من السلطة والعنف والولاءات المتضاربة. وكأن التاريخ نفسه يصبح امتدادًا لفكرة الهوية التي لا تجد مكانًا آمنًا تستقر فيه.
وقد كان "الملكة مارغو" أحد الأفلام التي منحتها جائزة سيزار لأفضل ممثلة، وهي واحدة من خمس جوائز سيزار حصلت عليها خلال مسيرتها، وهو رقم جعلها صاحبة الرقم القياسي الفرنسي في هذه الفئة.