المرأة البحرينية من ثقة القيادة إلى صناعة القرار
في المشهد البحريني الراهن، تبرز المرأة في مواقع كثيرة حتى غدت جزءًا أصيلًا من صورة الدولة ومؤسساتها؛ نراها في الإعلام، وفي السلك الدبلوماسي، وفي الوزارة والهيئات الحكومية، وفي المجالس التشريعية، وفي ميادين الاقتصاد والتعليم والطب والقانون والثقافة وسواها من مجالات العمل الوطني. تحمل القلم، وتمسك بزمام المسؤولية، وتمثل بلادها في الخارج، وتجلس إلى طاولة القرار في الداخل، وقدمت عبر سنوات طويلة نموذجًا بحرينيًا يليق بما بلغته المملكة من تقدم وانفتاح.
وكان تأسيس المجلس الأعلى للمرأة في الثاني والعشرين من أغسطس عام 2001، برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، محطة مضيئة في هذه المسيرة. فقد استطاعت سموها أن تقود قضية المرأة البحرينية برؤية هادئة وعميقة، وأن تمنحها حضورًا مؤسسيًا راسخًا، وأن تنقل الحديث عن المرأة من حدود التطلعات إلى ميادين العمل والتخطيط والسياسات والبرامج. وبفضل هذا الدور، أخذت مسيرة المرأة في البحرين أبعادًا أكثر اتساعًا، وأصبحت مشاركتها في الحياة العامة جزءًا من النهج الوطني الذي يقوم على تكافؤ الفرص والاستثمار في الإنسان.
وكان لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، دور راسخ في ترسيخ هذا النهج، انطلاقًا من إيمانه بأن بناء الدولة الحديثة لا يكتمل إلا بمشاركة المرأة والرجل معًا في مسيرة التنمية. وقد انعكس هذا الإيمان في مسيرة المشروع الإصلاحي لجلالته، وفيما شهدته المملكة من تطور في حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة ومواقع المسؤولية وصناعة القرار.
كما أسهم صاحب السمو الملكي سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في دعم حضور المرأة البحرينية في مسارات العمل الحكومي والتنمية الوطنية، مؤكدًا في مختلف المناسبات أهمية الاستفادة من الطاقات الوطنية وتمكين الكفاءات البحرينية، بما فيها الكفاءات النسائية، لتكون شريكًا فاعلًا في تحقيق أهداف التنمية وبناء مستقبل المملكة.
ومنذ ذلك التاريخ، اتسعت أمام المرأة البحرينية مساحات العمل والمسؤولية، وتقدمت بخطوات واثقة نحو مواقع كانت في زمن مضى تبدو بعيدة عن متناولها. حملت الحقيبة الوزارية، وأدارت ملفات وطنية مهمة، وحملت الحقيبة الدبلوماسية ومثّلت البحرين في عواصم العالم، ووقفت في المحافل الدولية تتحدث باسم بلدها وتجربته، كما شاركت في المؤسسات التشريعية والهيئات الرسمية، وفي مواقع الإدارة والقيادة بمختلف القطاعات.
وفي الإعلام، للمرأة البحرينية حكاية أخرى من الحضور، فقد كان لها نصيبها من صناعة الصحافة والإذاعة والتلفزيون، ثم انتقلت تجربتها إلى الفضاء الرقمي الرحب. صحفيات وكاتبات ومذيعات ومقدمات برامج ومحررات وقيادات إعلامية؛ نساء حملن مسؤولية الكلمة، وشاركن في صياغة المشهد الإعلامي البحريني، وكنّ شاهدات على التحولات التي شهدها المجتمع، وروايات لكثير من قصصه وتفاصيله.
وحين نتحدث عن المرأة البحرينية في الإعلام، فإننا نتحدث أيضًا عن امرأة دخلت إلى صميم المهنة بكل ما فيها من مسؤولية ومشقة، ووجدت لنفسها مكانًا بين أصحاب القلم والرأي. كتبت في السياسة والثقافة والمجتمع والفن، وناقشت قضايا الناس، ورافقت الأحداث، وصاغت أسئلة الزمن الذي تعيشه، فكان قلمها جزءًا من الذاكرة الصحفية البحرينية.
أما في المجال الدبلوماسي، فقد حملت المرأة البحرينية راية وطنها إلى الخارج، وكانت في السفارات والبعثات والمنظمات الدولية وجهًا من وجوه البحرين، تجمع بين المعرفة والقدرة على الحوار وحسن تمثيل الدولة. وحين وصلت إلى المنصب الوزاري، كانت أمام مسؤولية أكبر؛ أن تدير حقيبة وطنية بكل ما تحمله من ملفات وقرارات، وأن تثبت أن المرأة قادرة على حمل أمانة الدولة مثلما حملتها في مواقع أخرى.
هذه الصورة التي نراها اليوم لم تتشكل في عام أو عامين، وإنما نضجت عبر مسيرة طويلة من التعليم والعمل والخبرة، ورافقها إيمان رسمي ومجتمعي بأن تقدم البحرين يحتاج إلى طاقات أبنائها وبناتها معًا. وقد كان للمجلس الأعلى للمرأة دور بارز في ترسيخ هذا المسار، وفي متابعة احتياجات المرأة وتطوير السياسات التي تعزز حضورها ومشاركتها.
في ذكرى تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، نستعيد هذه الرحلة باعتزاز؛ رحلة بدأت بإرادة وطنية واضحة، ووجدت في سمو الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قيادة آمنت بالمرأة البحرينية، وعملت على أن يكون لها مكان يليق بعلمها وكفاءتها وطموحها.
واليوم، حين نرى المرأة البحرينية في مكتب الوزارة، وفي مقعد الدبلوماسية، وفي قاعة البرلمان، وفي غرفة الأخبار، وفي الجامعة والمستشفى والشركة والمؤسسة، فإننا نرى أمامنا سنوات من العمل وقد أثمرت. نرى امرأة تعرف قيمة ما وصلت إليه، وتعرف أيضًا أن أمامها أبوابًا أخرى تستحق أن تطرقها، وطريقًا طويلًا تستطيع أن تترك فيه مزيدًا من الأثر. تلك هي المرأة البحرينية؛ مسيرة صنعتها إرادة وطن، ورعتها قيادة آمنت بقدراتها، وحملتها نساء بحرينيات إلى الأمام بالعلم والعمل والكفاءة.