نغم وذكرى "أهل الهوى"
بينما كنت أتصفح الفيس بوك كعادتي، أعشُّ إلى أن أجد فيه شيئًا راقيًا وسط ركام الرداءة الذي يُقدَّم لنا يوميًا، مرّ من أمامي شيء مختلف أصابني بالذهول، طيفٌ خاطف مرّ بعد عشرات المنشورات التافهة التي لا طائل منها.
مرّت دندنة عود أحسست معها بشعور غريب؛ نغمة مريحة تُنعش القلب وتُعدّل المزاج، دندنة أعرفها لنغمٍ أعشقه. مرّت سريعًا، وكانت حركة إصبعي أسرع منها، فربما كنت يائسًا من إيجاد شيء جميل بين كل هذا التفاهة.
خاب ظني هذه المرة. رفعت إصبعي عن الشاشة، وأعدت التصفح صعودًا. كان هدفي على بعد خطوتين، فعدت إليه، وعاد معه الشجن، "أحبابنا أهل الهوى.. رحلوا وما تركوا خبر".
نغمٌ يزداد رونقًا وشجنًا، ويزداد تعلقك به كلما مرّت الأيام والسنون. تركتُ من حولي، وتركت التصفح والمكان برمّته لدقائق، وأنا أسمعه ولا أسمعه، فلم أعد هناك، "بيض الوجوه كأنما.. نزلوا على صدر القمر"
ذهبت إلى زمن بعيد، تذكّرت على إيقاعه أحبّة لنا تفرّقوا شرقًا وغربًا، هاجر بعضهم، ورحل آخرون إلى دار الخلود، "سود العيون كأنما.. شربوا ينابيع السهر"
أعادني النغم أولًا إلى صنعاء، إلى أيام ما بعد امتحان الثانوية العامة، وانتظار النتائج، وإلى دار الفنان العزيز حسين قاضي، الذي لم نكن نسمر إلا في رحابه، وكان وفيًّا لنا كما كنّا أوفياء له، يستقبلنا دومًا، ويعزف على الجيتار بمهارة، ويشدو بصوته الشجي البديع، "بالله يا طير المشارق.. هل عرفت لهم أثر"
كان حسين يعزف هذا النغم وأمثاله بإبداع لا يُضاهى، وإلى جانبه صديقنا الراحل الفنان يوسف دردر رحمه الله، ومعنا الصديقان العزيزان إسماعيل محمد شيخ ومحمد ياسين وبقية الرفقاء، في جلسات صداقة وأخوّة وصفاء، جمعت بين الفنون والألحان الجيبوتية والإريترية والإثيوبية والصومالية والسودانية واليمنية والخليجية والغربية، "فأنا السعيد بذكرهم.. وأنا الذي يهب العمر"
وتطير بي ذكرى هذا النغم أيضًا إلى صيف أيام الدراسة الجامعية، وتحديدًا صيف 2004، إلى شقتنا الشهيرة بحي الأبيار في أعالي العاصمة الجزائرية. أذكر من رفاق ذلك الصيف: عبد العزيز الشيخ، محمود أبوبكر، عقيلي، مهري، مختار، والراحل أمير نايب، عبد الله مصري، سعيد، أبو صلاح، وياسين -واعتذر لمن لم يحضرني اسمه من الرفاق الكرام.
وجمعتنا تلك الشقة بفنان موهوب يُدعى خليفة، وافدٌ جديد قدِم ذلك العام من العاصمة الإريترية أسمرا، من مدرسة الأمل. كان خليفة "جداويًّا" في الصميم، وُلد وعاش في جدة، لم تغادره يومًا واحدًا؛ يحملها في لهجته التي ينطقها دون عثرة، وفي ثقافتها المطبوعة على محيّاه، والمزروعة في حركاته وسكونه. كان خليفة ماهرًا في العزف على البيانو، وأطربنا في شقة الأبيار بهذا النغم الخالد وألحان أخرى، "بفمٍ إذا نثر الحديث.. حسبته نثر الدرر"
ساعدنا خليفة على التغلب على رتابة ذلك الصيف، وتحويله إلى فرح كرنفالي، "فافرد جناحك يا رسول الشوق.. أنت على سفر". تحوّل صيفنا إلى فرح وأسفار، وأذكر أن صديقنا المبدع خليفة كان يفتتح سهراتنا ويختتمها دائمًا برائعة أحمد الريح: "أحبابنا أهل الهوى.. رحلوا وما تركوا خبر".